أخبار خاصة

تحالف السلطة والمصارف… الاختبار الأصعب للنظام السياسي في لبنان

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

بعد أكثر من ست سنوات على اندلاع الأزمة المالية والمصرفية في لبنان، لا يزال المشهد الداخلي يكشف عن مفارقة لافتة: فالأحزاب اللبنانية، على اختلاف مواقعها السياسية وخطاباتها الأيديولوجية، تبدو مجتمعة على موقف واحد يتمثل في تجنّب المواجهة الفعلية مع القطاع المصرفي أو تحميله مسؤولية الانهيار المالي الذي أصاب البلاد.

هذا التقاطع بين مختلف القوى السياسية يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة العلاقة التي حكمت تاريخيًا ارتباط السلطة السياسية بالقطاع المصرفي، ولا سيما في السنوات التي سبقت الانهيار. وتذهب قراءات اقتصادية ومالية إلى اعتبار أن جزءًا من هذا التفاهم غير المعلن يعود إلى أن عددًا من أصحاب النفوذ السياسي والأحزاب تمكّنوا، مع بداية الأزمة، من تحويل أموال أو حماية مصالح مالية خارج البلاد، في وقت فُرضت فيه قيود غير قانونية على غالبية المودعين.

ومنذ عام 2019، شهد لبنان واحدة من أعمق الأزمات المصرفية في التاريخ الحديث، بعدما انهارت الثقة بالنظام المصرفي وتوقفت المصارف عمليًا عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، فيما تبخرت الودائع أو أصبحت محتجزة ضمن قيود مصرفية مشددة.

ورغم ضخامة الانهيار، لا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن تقديم رواية رسمية متكاملة تحدد المسؤوليات بوضوح. وقد برزت محاولة جزئية لذلك من خلال مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الذي قدمته الحكومة اللبنانية في أواخر عام 2025، إلا أن المشروع، وخصوصًا في أسبابه الموجبة، يعكس مقاربة تعتبر الدولة المسؤول الأساسي عن الأزمة نتيجة غياب الرقابة والإشراف.

صحيح أن مسؤولية الدولة ثابتة من حيث ضعف الرقابة وغياب المحاسبة، غير أن تحميلها المسؤولية منفردة يتجاهل الدور المحوري الذي لعبته المصارف نفسها، سواء عبر سياساتها المالية، أو انكشافها المفرط على ديون الدولة، أو إدارتها للمخاطر خلال سنوات الهندسات المالية.

الواقع الحالي يكشف أن عددًا كبيرًا من المصارف اللبنانية بات، من الناحية المحاسبية والتقنية، في وضع أقرب إلى الإفلاس، ومع ذلك لا تزال هذه المؤسسات مستمرة في العمل، ولو ضمن نموذج مصرفي مشلول يفتقر إلى الثقة والقدرة على تمويل الاقتصاد.

الأكثر إثارة للجدل هو استمرار غياب أي مسار واضح لإعادة هيكلة القطاع أو فتح الباب أمام دخول مصارف جديدة قادرة على استعادة جزء من النشاط المصرفي الطبيعي. ويعتبر اقتصاديون أن هذا الإقفال غير المعلن للسوق المصرفية يكرّس احتكارًا فعليًا للمصارف القائمة، رغم تعثرها، ويمنع ولادة قطاع مصرفي أكثر كفاءة وشفافية.

وفي ضوء ذلك، تبدو الأزمة اللبنانية وكأنها نتاج جريمتين اقتصاديتين متتاليتين: الأولى تمثلت في الانهيار المصرفي نفسه وما سبقه من سياسات مالية ونقدية خاطئة، والثانية في غياب المعالجة الجدية بعد الانهيار، سواء عبر الامتناع عن محاسبة المسؤولين أو تعطيل إعادة هيكلة القطاع.

ويجمع خبراء على أن أي مسار إصلاحي حقيقي يجب أن يبدأ بخطوتين أساسيتين: محاسبة المصارف والمسؤولين عن الانهيار وفق القوانين المرعية، وفتح المجال أمام دخول مصارف جديدة أو إعادة بناء قطاع مصرفي حديث قادر على استعادة الثقة الداخلية والخارجية.

ورغم أن الإطار القانوني اللبناني المنظم للقطاع المصرفي يُعدّ، نظريًا، متقدمًا ومتوافقًا مع معايير دولية عديدة، فإن الأزمة تكمن، مرة جديدة، في غياب القرار السياسي لتنفيذ الإصلاح، لا في نقص النصوص القانونية.

في المحصلة، يبدو أن الأزمة المصرفية في لبنان لم تعد مجرد أزمة مالية، بل تحوّلت إلى اختبار مباشر لقدرة النظام السياسي نفسه على كسر شبكة المصالح المتداخلة بين السلطة والقطاع المصرفي، أو الاستمرار في إدارتها على حساب الاقتصاد والمودعين.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *