عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
يشير تقرير الوضع النقدي الصادر استناداً إلى بيانات مصرف لبنان للأسبوع المنتهي في 4 حزيران 2026 إلى استمرار الانكماش النقدي في مختلف المؤشرات الأساسية، ما يعكس حالة من التباطؤ الاقتصادي والحذر المالي التي لا تزال تسيطر على الأسواق اللبنانية.
وتظهر الأرقام تراجع الكتلة النقدية بمختلف مكوناتها، بالتزامن مع انخفاض الودائع بالليرة اللبنانية والعملة الأجنبية، في مؤشر يستحق التوقف عنده لفهم اتجاهات السيولة والثقة في الاقتصاد اللبناني.
أولاً: تراجع الكتلة النقدية الضيقة (M1)
انخفضت الكتلة النقدية “M1”، التي تشمل النقد المتداول خارج المصارف والودائع تحت الطلب بالليرة اللبنانية، من 97,471 مليار ليرة إلى 95,044 مليار ليرة خلال أسبوع واحد، أي بانخفاض نسبته 2.49%.
ويُعد هذا التراجع من أبرز المؤشرات على تقلّص حجم السيولة الفورية المتاحة لدى الأفراد والمؤسسات، وهو ما قد يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي أو توجه بعض المتعاملين إلى سحب السيولة من التداول لأسباب احترازية.
ثانياً: انخفاض الكتلة النقدية بالليرة (M2)
سجّلت الكتلة النقدية “M2” انخفاضاً من 131,795 مليار ليرة إلى 129,349 مليار ليرة، أي بنسبة 1.86%.
ويعود ذلك إلى عاملين أساسيين:
● تراجع الودائع تحت الطلب بمقدار 1,792.72 مليار ليرة.
● انخفاض حجم الادخار بالعملة الوطنية بنحو 18.83 مليار ليرة.
وتشير هذه المعطيات إلى استمرار تآكل الودائع بالليرة اللبنانية، سواء في الحسابات الجارية أو حسابات التوفير.
ثالثاً: تراجع الودائع بالدولار
أظهر التقرير أيضاً انخفاض رصيد الودائع المعنونة بالعملات الأجنبية (M3-M2) بمقدار 10,702.52 مليار ليرة، ليستقر عند نحو 5,738.92 تريليون ليرة.
ورغم أن النسبة المئوية للتراجع بلغت 0.19% فقط، فإن حجم المبالغ المتراجعة يبقى كبيراً جداً قياساً إلى حجم الاقتصاد اللبناني.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول أسباب تراجع الودائع الأجنبية، وما إذا كان مرتبطاً بتحويلات إلى الخارج أو باستخدام جزء من هذه الودائع في عمليات داخلية.
رابعاً: انكماش الكتلة النقدية الشاملة
سجّلت الكتلة النقدية الواسعة “M3” انخفاضاً من 5,881.42 تريليون ليرة إلى 5,868.27 تريليون ليرة، بينما تراجعت الكتلة النقدية الأوسع “M4” من 5,885.60 تريليون ليرة إلى 5,872.45 تريليون ليرة.
وتُظهر هذه الأرقام أن التراجع لم يقتصر على مكوّن واحد من مكونات السيولة، بل شمل كامل الهيكل النقدي تقريباً.
ماذا تعني هذه الأرقام اقتصادياً؟
يرى اقتصاديون أن استمرار انكماش الكتل النقدية يعكس مجموعة من العوامل المتداخلة:
1. ضعف النشاط الاقتصادي الداخلي.
2. استمرار الميل إلى الاحتفاظ بالنقد خارج الدورة الاقتصادية.
3. محدودية الائتمان المصرفي.
4. غياب الاستثمارات الجديدة القادرة على ضخ سيولة إضافية في السوق.
5. استمرار حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي.
هل يشكل ذلك مؤشراً إيجابياً أم سلبياً؟
من الناحية النظرية، يمكن لانخفاض الكتلة النقدية أن يخفف الضغوط التضخمية إذا ترافق مع استقرار سعر الصرف.
لكن في الحالة اللبنانية، يرى العديد من الخبراء أن تراجع السيولة لا يرتبط بتحسن الإنتاج أو زيادة الثقة، بل يعكس في جزء منه انكماش النشاط الاقتصادي وضعف القدرة الشرائية.
لذلك فإن قراءة هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي العام الذي ما زال يتسم بغياب الإصلاحات البنيوية وتراجع الاستثمارات واستمرار الأزمة المصرفية.
الخلاصة
تكشف بيانات مصرف لبنان للأسبوع المنتهي في 4 حزيران 2026 عن استمرار الاتجاه الانكماشي في الكتلة النقدية والودائع، سواء بالليرة اللبنانية أو بالعملات الأجنبية. ورغم أن التراجع الأسبوعي يبدو محدوداً نسبياً من حيث النسب المئوية، إلا أن استمراره لفترات طويلة قد يعكس واقعاً اقتصادياً أكثر هشاشة، حيث تتراجع السيولة ويتباطأ النشاط الاقتصادي في انتظار إصلاحات قادرة على إعادة الثقة وتحريك عجلة النمو.







