أطلق مرشح تيار أقصى اليسار وأبرز وجوهه في فرنسا، جان لوك ميلونشون، النسخة الخامسة من برنامجه الانتخابي «مستقبل مشترك» استعداداً لسباق الرئاسة عام 2027.
يأتي هذا الطرح في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى صعوده إلى الجولة الثانية في مواجهة مارين لوبان مرشحة أقصى اليمين، ما يضع خياراته الاقتصادية والسياسية تحت مجهر التحليل المالي والجيوسياسي.
ونسلط الضوء في الموضوع التالي على الركائز الأساسية لبرنامج ميلونشون، والتداعيات المرتقبة لتوجهاته على المالية العامة الفرنسية، ومكانة باريس في الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”.
التراجع عن إصلاحات ماكرون وتأثيرها على المالية العامة
يشكل التراجع عن القرارات الاقتصادية للحكومة الحالية المحور الرئيسي لبرنامج «فرنسا الأبية»، وتحديداً فيما يتعلق بسوق العمل ونظام المعاشات.
– خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً: يتعهد البرنامج بإلغاء الإصلاح الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون (والذي رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً لدعم المالية العامة)، وإعادة تحديد السن القانونية عند 60 عاماً لمن سددوا الاشتراكات لمدة 40 عاماً.
يرى النقاد أن هذه الخطوة ستزيد الضغوط على الميزانية العامة وتعمق عجز صندوق المعاشات، بينما يعتبرها الحزب حقاً اجتماعياً وإعادة توزيع للثروة.
– رفع الحد الأدنى للأجور: يتضمن البرنامج زيادة الصافي الشهري للحد الأدنى من الأجور من نحو 1480 يورو إلى 1700 يورو، بهدف تعزيز القدرة الشرائية للفئات الأقل دخلاً ومواجهة تكاليف المعيشة.
هندسة الضرائب وسقف الأسعار.. عودة التدخل الحكومي الكثيف
يطرح ميلونشون نموذجاً اقتصادياً يعتمد على التدخل المباشر للدولة ودعم الإنتاج المحلي.
– إعادة هيكلة النظام الضريبي: يسعى البرنامج إلى إلغاء الضريبة الموحدة على دخل رأس المال، وفرض ضغوط ضريبية أكبر على الأسر الأكثر ثراءً لتوفير موارد إضافية للخزانة العامة.
– فرض سقف لأسعار السلع الأساسية: للتصدي للتضخم، يدعو الحزب إلى تحديد أسعار استرشادية للمواد الغذائية الأساسية، وهو ما يثير جدلاً حول مدى تأثيره على سلاسل التوريد وهوامش أرباح التجزئة.
– الحماية الصناعية: ينص البرنامج على اتخاذ إجراءات لحماية الصناعة الوطنية وتطبيق سياسات تُشجع على إعادة توطين الإنتاج داخل الأراضي الفرنسية.
تحول في قطاع الطاقة.. التخلي عن الخيار النووي
على العكس من التوجه الفرنسي التاريخي القائم على الاستثمار في الطاقة النووية كمصدر رئيسي للكهرباء، يقدم البرنامج رؤية بديلة للتحول البيئي.
– التدرج نحو الطاقة المتجددة: الاستغناء التدريجي عن الطاقة النووية لصالح منظومة كهربائية تعتمد بالكامل على المصادر المتجددة.
– إلغاء المشاريع المخططة: إلغاء برنامج مفاعلات «إي.بي.آر2» (EPR2) الجديد، وعدم تمديد العمر التشغيلي للمحطات النووية القائمة لما بعد 60 عاماً، مما يطرح تساؤلات حول استقرار إمدادات الطاقة وتكلفتها الاستثمارية على المدى الطويل.
السياسة الخارجية وموقع فرنسا في حلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي
يحمل برنامج «مستقبل مشترك» مراجعة جذرية لعلاقات فرنسا الدولية والتزاماتها العسكرية والاقتصادية.
– الانسحاب التدريجي من «الناتو»: تجديد الانتقادات الحادة للحلف الأطلسي، والدعوة لانسحاب فرنسا بدءاً من الخروج من قيادته العسكرية المتكاملة، لاستعادة الاستقلالية القرار العسكري.
– مواجهة النهج الاقتصادي الألماني: ينتقد البرنامج ما يصفه بالنفوذ الألماني على السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي وتبني برلين لسياسات «الليبرالية المنظمة» (التي تركز على صرامة الميزانية واستقلال السياسة النقدية)، داعياً إلى التحرر من هذه القواعد لفتح المجال أمام الاستثمار الحكومي وزيادة الإنفاق.






