قبل أكثر من 140 عامًا، لم يكن نقل النفط عبر البحار مهمة سهلة، إذ كان يُشحن داخل براميل خشبية عُرضة للتلف والتفكك، ما جعل الرحلات محفوفة بالمخاطر.
لكن فكرة غير تقليدية تبناها أحد أفراد عائلة نوبل قلبت الموازين، ومهدت لظهور ناقلات النفط الحديثة. فمن هي أول سفينة صُممت خصيصًا لنقل النفط؟ وكيف تحولت الفكرة التي بدت مجنونة وقتها إلى ثورة غيرت تجارة الطاقة حول العالم؟
دوافع ابتكار ناقلات النفط
في عصر كانت فيه براميل البلوط الخشبية تتفكك وسط أمواج المحيطات المتلاطمة مخلفة وراءها كوارث وانفجارات مميتة، تجرأ رجل واحد على خوض المعركة الأخطرة في عالم التجارة والنقل؛ إنه “لودفيغ نوبل”، الشقيق الأكبر للعالم الشهير ألفريد نوبل.
وجاءت الفكرة لحل مشكلة نقل النفط من حقول باكو في أذربيجان، التي امتلكت عائلته استثمارات وحقولًا نفطية بها، إلى الأسواق الأوروبية عبر بحر قزوين وشبكة الأنهار والممرات المائية الروسية.
فكر لودفيغ في ضخ ملايين اللترات من النفط القابل للاشتعال مباشرة داخل هيكل سفينة فولاذية، ووقتها اعتبر الكثيرون الفكرة “جنوناً مطلقاً” وتهديداً غامضاً قد يبتلع طاقمها في أي لحظة.
لكن هذه المخاطرة الهندسية الثورية لم تنجح في ترويض بحار روسيا وقزوين فحسب عبر السفينة الأسطورية “زرادشت”، بل مهدت الطريق لاحقاً لولادة عملاقة المحيطات “غلوك أوف”، لتكتب الصدفة والعبقرية معاً فصلاً جديداً أعاد صياغة خريطة الطاقة العالمية، وغير وجه الشحن البحري للأبد.
وبفضل خبرته في بناء ناقلات للسفن لصالح البحرية الروسية، أصبح لودفيغ نوبل، الشقيق الأكبر للعالم الكبير ألفريد نوبل، أول من صمم ناقلة نفط مصنوعة من الفولاذ وأمر بتنفيذها.
وفي عام 1877، قُدِّم طلب بناء في أحواض شركة “موتالا ووركس”، في مدينة نورشوبينغ بالسويد.
ما هو اسم أول سفينة شحن ناقلة للنفط في التاريخ؟
أطلق لودفيغ، على أول سفينة ناقلة للنفط في التاريخ اسم “زرادشت” (Zoroaster)، تيمناً بالفيلسوف الإيراني زرادشت، الذي كانت أفكاره تحظى بشعبية كبيرة بين الأوروبيين في ذلك الوقت.
وبحسب تقرير لموقع شركة “برانوبل” التي تنتمي لصانع السفينة، قبل تقدم لودفيغ بطلبه ببضعة أعوام، تحديدا في عام 1872، كانت قد بُنيت بالفعل أول ناقلة من الفولاذ، السفينة البخارية “فادرلاند” – s/s Vaderland) لكنها استُخدمت لأغراض أخرى.
وفكّر روبرت ولودفيغ نوبل في تحميل الكيروسين والنفط مباشرة داخل هيكل السفينة، إلا أن روبرت رأى أن “ارتطام السوائل بجدران الهيكل من الداخل قد يشكل خطورة أكبر من أمواج المحيط الخارجية”.
وقد أثبتت التجارب العملية صحة وجهة نظره، ففي ذلك الوقت، كان الأميركيون ينقلون النفط عبر المحيط الأطلسي في براميل كبيرة من خشب البلوط، والتي كانت كثيراً ما تتفكك أثناء الرحلة، مما خلق خطراً كبيراً بوقوع انفجارات.
وكانت فكرة ناقلات النفط هي الحل الأمثل، لكن التحدي تمثل في كيفية جعلها آمنة رغم طبيعة حمولتها القابلة للاشتعال.
الحل الآمن كان عبر التصميم المبتكر
وسبق للودفيغ أن عمل على تصميم محركات بخارية لسفن البحرية الروسية، فاستثمر تلك الخبرة، حين شرع في تشرين الثاني 1877 ليطلب بناء سفينة من “فولاذ بيسمر” وهي الأولى من نوعها في العالم.
وقد أوكل المهمة إلى موردٍ تعامل معه لاحقاً في توريد العديد من السفن لشركة “برانوبل”، وهو حوض بناء السفن “ليندهولمن” في غوتنبرغ، المملوك لشركة “موتالا ووركس” التي كان يديرها المهندس ألمكفيست.
وتعاون الطرفان لتصميم سفينة تحتوي على صهاريج مدمجة داخل هيكلها، وأُطلق على السفينة البخارية اسم “زرادشت”، والذي أصبح لاحقاً رمزاً لشركة “برانوبل”.

كيف تم وضع تصميم السفينة؟
حُدِّدت أبعاد السفينة وغاطسها، بمعنى مدى عمقها في الماء، بناءً على طبيعة الممرات المائية في نهري الدون والفولغا، إذ كان من الممكن الإبحار من بحر البلطيق إلى بحر قزوين خلال فترة أسبوعين في فصل الربيع، حين يرتفع منسوب المياه في تلك الأنهار.
وكان بالإمكان فك الخزانات الثمانية غير المثبتة في السفينة، لتقليل غاطسها عند الإبحار في القنوات الضحلة.
وفي أيار 1878، تولى هيلمار كروسيل، الابن الأكبر للودفيغ، قيادة السفينة عبر بحر البلطيق، ومنه عبر شبكة الأنهار والممرات المائية الروسية وصولاً إلى باكو.
ونظراً لأن الأخوين نوبل كانا يحملان الجنسية السويدية، فقد تولى بيتر فون بيلدرلينغ، الذي كان يحمل الجنسيتين الفنلندية والروسية، المسؤولية الرسمية عن شركة الشحن “بارنوبل” التابعة لعائلة نوبل.

تكرار الطلب على السفن ناقلات النفط
وبعد فترة وجيزة، تم طلب بناء سفينتين كبيرتين للغرض نفسه وبنفس المواصفات، هما “بوذا” و”نوردنسكيولد”، حيث نُقلتا من السويد إلى بحر قزوين على متن منصات عائمة، مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، ثم أُعيد تجميعها في أستراخان.
وفي عامي 1881 و1882، تسلمت الشركة 6 سفن أخرى صُنعت في حوض “ليندهولمن” لبناء السفن في غوتنبرغ.
الناقلة “زرادشت” كانت الأولى..ولكن
بالرغم من أن ناقلة النفط زرادشت كانت الأولى من نوعها، كأول سفينة شحن لنقل النفط عبر الممرات المائية، إلا أن تصميمها وبنائها، تم تخصيصه للإبحار في بحر قزوين والممر المائي لمنطقة بحر البلطيق الضحلة.
إذا، ما هي أول سفينة ناقلة للنفط عبر القارات ؟، في عام 1885 بدء بناء أول سفينة شحن ناقلة للنفط مؤخلة لعبور المحيطات، وقادرة على نقل النفط عبر القارات، وهي السفينة GLUCKAUF أو “غلوك أوف”.

بُنيت “غلوك أوف”، كسفينة ناقلة للنفط، تحت رقم البناء 473، في أحواض شركة “أرمسترونغ ميتشل وشركاه” في مدينة نيوكاسل بإنجلترا، لصالح شركة “ريديري فيلهلم أنطون ريدمان” ومقرها في جيستمونده بألمانيا.
وفي يوم 25 تشرين الثاني 1885، بدأ بناء السفينة بوُضع العارضة الأساسية، وأُنزلت إلى المياه في 16 حزيران 1886 تحت اسم “غلوك أوف”.
وبلغت حمولتها الإجمالية 2307 طن، وحمولتها الساكنة 3020 طن، بأبعاد بلغت 91.59 × 11.34 × 7.07 متر.

وزُوّدت بمحرك بخاري ترددي ثلاثي التمدد بقوة 912 حصانًا إشاريًا، وغلايتين، ومروحة دفع واحدة، وبلغت سرعتها خلال التجارب البحرية 10.5 عقدة.
واكتمل بناؤها في 10 آب 1886، وقامت برحلتها الأولى من نهر “تاين” في مدينة نيوكاسل، إلى مدينة نيويورك وهي في حالة بدون حمولة تجارية، بهدف تحميل شحنة من النفط.
وعند وصولها إلى نيويورك، فوجئ العمال في الميناء، بمن فيهم عمال الشحن والتفريغ، والعاملون في قطاع النفط، وصنّاع البراميل التي كان ينقل بها النفط في ذلك الوقت، من سرعة عملية التحميل، إذ استغرقت العملية ثلاثة أيام فقط، بينما كانت ستستغرق عشرة أضعاف هذا الوقت لو كانت السفينة مخصصة للبضائع الجافة.
ورفض عمال الميناء تزويد السفينة بالفحم اللازم لتشغيل محركاتها، تحفظا منهم على هذا الابتكار الثوري، مما اضطرها بعد مغادرة نيويورك للتوقف في “سانت جونز” للتزود بالفحم، قبل أن تعبر شمال المحيط الأطلسي مجددًا متجهة إلى جيستمونده لتفريغ حمولتها.
وتُعتبر هذه السفينة “غلوك أوف”، بشكل عام، النموذج الأولي لناقلات النفط العملاقة في عصرنا الحالي.
وتم وضع محركها في مؤخرة السفينة، ومع ذلك، فقد اتبعت نمطًا تقليديًا من خلال تعزيز قوة محركها باستخدام الأشرعة المرفوعة على ثلاثة صواري.
وتُعد أول سفينة عابرة للمحيطات صُممت خصيصًا لنقل النفط الخام بأسلوب الصب.




