تؤجج الاضطرابات التي تشهدها فرنسا مخاوف المستثمرين بشأن الآفاق المالية للبلاد، بعدما سجلت تكاليف الاقتراض أعلى مستوياتها منذ عام 2002 في وقت سابق من هذا الأسبوع.
ومع التخطيط لتنظيم مزيد من التظاهرات، يقيّم مديرو الأصول ما إذا كانت حالة الاضطراب الممتدة قد تؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي، وتقويض ثقة المستثمرين والمستهلكين، وجعل تنفيذ الحكومة لخططها الرامية إلى خفض الإنفاق والعجز أكثر صعوبة.
وأبقت وكالة التصنيف الائتماني موديز يوم الجمعة على التصنيف السيادي لفرنسا عند مستوى Aa3 الذي لا تزال تعتبره ضمن الفئة الاستثمارية المرتفعة الجودة، لكنها حافظت على النظرة المستقبلية السلبية للبلاد.
وقالت “موديز” في تقريرها: “تعكس النظرة السلبية تزايد مخاطر أن يستمر تفتت المشهد السياسي الفرنسي في إضعاف فعالية المؤسسات التشريعية في البلاد، وفقاً لتقرير نشرته شبكة “CNBC” الأميركية، واطلعت عليه “العربية Business”.
وأضافت الوكالة أنه يمكنها إعادة النظرة المستقبلية إلى “مستقرة” إذا تمكنت المؤسسات الفرنسية من تقليص عجز الموازنة.
وتستهدف الحكومة الفرنسية خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027، مقارنة مع 5.4% متوقعة في 2026. ومن المقرر أن تستأنف الجمعية الوطنية الفرنسية في 27 أكتوبر مناقشة الإجراءات الضريبية الواردة في الموازنة، والتي تهدف إلى تحقيق وفورات مالية، إلا أن أحزاب المعارضة تواصل رفض تلك الخطط.
وقال ألان دوري، رئيس أبحاث الاقتصاد لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في “ناتيكسيس CIB”، إن الحكومة مصممة على منع حدوث ارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض.
وأوضح أن الحكومة قد تحاول الالتزام بأهدافها المالية عبر اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور الفرنسي، التي تتيح تمرير مشروع قانون دون تصويت نهائي في البرلمان ما لم ينجح النواب في تمرير مذكرة حجب الثقة، أو من خلال إصدار مراسيم تنفيذية.
ويرى دوري أن مثل هذه الخطوات قد تساعد في تهدئة الأسواق واستعادة ثقة المستثمرين، مشيراً إلى أن الضغوط الأخيرة على الديون السيادية الفرنسية جاءت أساساً نتيجة إعادة توزيع تكتيكية للمحافظ الاستثمارية، في حين أن المستثمرين التقليديين ذوي الاستراتيجيات طويلة الأجل ما زالوا “على الهامش”.
وقفز عائد السندات الحكومية الفرنسية القياسية لأجل عشر سنوات، المعروفة باسم OATs، بمقدار 11 نقطة أساس يوم الخميس ليصل إلى أعلى مستوى له منذ عام 2002. كما اتسع الفارق بين هذه السندات ونظيرتها الألمانية لأجل عشر سنوات، التي تُعد المعيار المرجعي لأسواق الدين في منطقة اليورو، إلى أوسع مستوياته منذ نوفمبر 2011.
وقالت شارلوت دو مونبلييه، كبيرة الاقتصاديين لشؤون فرنسا وسويسرا لدى بنك ING، إن الاضطرابات “تضيف طبقة جديدة من عدم اليقين” إلى المخاوف السياسية والمالية التي تضغط بالفعل على الأصول الفرنسية، كما أنها “تعزز الانطباع بأن أي حكومة مستقبلية ستواجه صعوبة في تنفيذ الإصلاحات وخطط التوفير المطلوبة”.
من جانبه، قال ماثيو رايان، رئيس استراتيجية الأسواق لدى إيبوري: “لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت موازنة 2027 ستحصل على موافقة البرلمان. وحتى إذا تم إقرارها، فمن المرجح أن تكون مليئة بالتنازلات لليمين واليسار على حد سواء، ما يعني أن مشكلة العجز لن تتم معالجتها بالشكل الكافي”.
ما حجم الضرر المتوقع على النمو الاقتصادي الفرنسي؟
من المقرر تنظيم تظاهرات جديدة في 24 أكتوبر، كما تقرر تنظيم يوم وطني للإضرابات والاحتجاجات بدعم من النقابات في 5 نوفمبر، بمشاركة محتجين من حركة السترات الصفراء وغيرهم من الجماعات المناهضة للمؤسسات التقليدية.
وفي مذكرة بحثية صادرة في 20 أكتوبر عقب أعمال العنف التي شهدها الأسبوع السابق، أشارت دو مونبلييه إلى أن الأسواق قادرة على تجاوز الاضطرابات قصيرة الأجل، لكن “فقدان الثقة لفترة طويلة يمكن أن تكون له تداعيات أكبر بكثير”.
وقالت: “هذه الأحداث تزيد قتامة المشهد الاقتصادي الذي كان غير مواتٍ بالفعل. فقد كنا نتوقع نمواً للناتج المحلي الإجمالي الفرنسي بنسبة 0.3% فقط في 2026 و0.6% في 2027. وإذا استمرت الاضطرابات أو تراجعت الثقة بشكل أكبر أو تصاعدت التوترات في الأسواق، فقد يكون النمو أضعف من ذلك”.
وبحسب تقديرات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، التي استشهدت بها دو مونبلييه، فإن حركة السترات الصفراء ربما خفضت نمو الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي في الربع الرابع من 2018 بنحو 0.1 نقطة مئوية.
كما ذكر بنك فرنسا المركزي أن الإضرابات المرتبطة بالاحتجاجات على إصلاح نظام التقاعد في ربيع 2023 خفضت نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من ذلك العام بنحو 0.1 نقطة مئوية.
وفي مذكرة 20 أكتوبر، أوضحت دو مونبلييه أن أعمال العنف قد تدفع الأسر إلى تجنب التوجه نحو مراكز المدن، كما قد تؤدي إلى تأجيل السياح لرحلاتهم وتأخير الشركات لقرارات الاستثمار.
بدوره، أشار دوري إلى أن ثقة المستهلك الفرنسي كانت بالفعل قريبة من أدنى مستوياتها التاريخية قبل اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، ما يحد من قدرة الاقتصاد على استيعاب صدمة اقتصادية جديدة.
وأضاف أن الاضطرابات الحالية تثير “إشارتين تحذيريتين رئيسيتين” بالنسبة للأسواق.
وقال: “أولاً، خطر أن يؤدي استمرار الاضطرابات إلى إبطاء نمو الناتج المحلي الإجمالي. وثانياً، الخشية من أن تؤدي الضغوط السياسية إلى إفشال خطط الحكومة لخفض الإنفاق بشكل جوهري. وفي كلتا الحالتين، سيتسع العجز المالي ويتجاوز الهدف الحكومي المحدد عند 5% من الناتج المحلي الإجمالي”.
وخسر مؤشر الأسهم الفرنسي نحو 4.5% خلال الشهر الماضي، فيما حدد بنك ING قطاعات التجزئة والضيافة والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية باعتبارها الأكثر تعرضاً للتأثر المباشر بالاضطرابات.
وقالت دو مونبلييه إن المتاجر ومراكز التسوق تواجه انخفاضاً في أعداد الزوار، وإغلاقات مؤقتة، وتراجعاً في المبيعات، بينما قد تخسر الفنادق والمقاهي والمطاعم وشركات السفر جزءاً من النشاط الذي يصعب تعويضه لاحقاً. وأضافت أن قطاعي النقل والخدمات اللوجستية قد يتعرضان أيضاً لضغوط إذا استمرت الاضطرابات.
وتراجعت أسهم شركة كارفور بأكثر من 14% يوم الأربعاء بعدما خفضت شركة التجزئة العملاقة توقعاتها للأرباح وقلصت استثماراتها، مشيرة إلى أن الاضطرابات، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة، تؤثر سلباً على معنويات المستهلكين.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة ألكسندر بومبار إن فرنسا تواجه “وضعاً غير مسبوق”.
وأضاف ING، استناداً إلى تقديرات شبكة غرف التجارة الفرنسية، أن أكثر من 2000 شركة تأثرت بشكل مباشر بالأحداث حتى يوم الثلاثاء.
هل يمتد التأثير إلى ما هو أبعد من القطاعات المتضررة مباشرة؟
يرى كيفين توزيه، مستشار المحافظ الاستثمارية وعضو لجنة الاستثمار في شركة كارميناك لإدارة الأصول، أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز كثيراً الشركات الأكثر تعرضاً للاحتجاجات.
وقال: “بالنسبة للأسهم، فإن ذلك لا يصب في مصلحة البنوك، لأن ارتفاع تكلفة رأس المال يضغط على القطاع، كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يبطئ نمو القروض ويزيد من المشكلات الائتمانية”.
ويحقق قطاع السلع الفاخرة الفرنسي الشهير معظم مبيعاته خارج البلاد. وعلى سبيل المثال، فإن شركة LVMH لديها تعرض مباشر محدود للسوق الفرنسية، حيث مثلت فرنسا نحو 8% فقط من إيرادات الشركة خلال 2025.
ومع ذلك، يرى توزيه أن الاحتجاجات قد تؤثر على قطاع السياحة، وبالتالي على المشتريات المعفاة من الضرائب، والتي تشكل نحو 20% من إيرادات LVMH داخل فرنسا.
واختتم قائلاً: “ستة أشهر إضافية من الفراغ السياسي فترة طويلة جداً بالنسبة للأسواق والاقتصاد ورواد الأعمال”.


