في كل مرة يُذكر فيها الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار مباشرة إلى شركات الرقائق العملاقة مثل “إنفيديا” التي أصبحت رمزاً لطفرة التكنولوجيا الحالية. لكن خلف الأضواء توجد صناعة أقل شهرة وأكثر استقراراً في تحقيق الأرباح، وهي صناعة مراكز البيانات التي تحولت إلى البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الرقمي الجديد. فكل نموذج ذكاء اصطناعي، وكل صورة يتم توليدها، وكل استفسار يمر عبر روبوتات المحادثة، يحتاج في النهاية إلى خوادم ضخمة وطاقة كهربائية هائلة ومساحات تخزين متخصصة تعمل على مدار الساعة.
وخلال السنوات الأخيرة، أدى السباق العالمي على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي إلى إطلاق موجة إنفاق غير مسبوقة على مراكز البيانات.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الإنفاق العالمي على البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يقترب من 500 مليار دولار خلال عام 2026، مع توقعات بتجاوزه تريليون دولار قبل نهاية العقد، مدفوعاً باستثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وألفابت وأمازون وميتا.
لكن السؤال الأهم هو كيف تجني مراكز البيانات الأموال من هذه الطفرة؟
الإجابة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرة حوسبة تفوق بكثير متطلبات الحوسبة التقليدية. فالشركات المطورة للنماذج اللغوية العملاقة تستأجر مساحات وخدمات معالجة وتخزين من مزودي مراكز البيانات لقاء عقود طويلة الأجل، ما يوفر تدفقات نقدية مستقرة ومتنامية للمشغلين. كما أن الطلب المتسارع دفع معدلات إشغال العديد من المراكز إلى مستويات قياسية، فيما ارتفعت أسعار التأجير نتيجة محدودية المعروض مقارنة بالطلب.
ومن المفارقات أن المستفيدين الخفيين لا يقتصرون على مالكي مراكز البيانات أنفسهم، بل يشملون شركات الطاقة وشبكات الكهرباء والتبريد الصناعي والألياف البصرية والعقارات الصناعية.
تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الذكاء الاصطناعي يجعل مراكز البيانات أكبر وأكثر استهلاكاً للطاقة، إلى درجة أن توفر الكهرباء أصبح عاملاً حاسماً عند اختيار مواقع إنشاء المراكز الجديدة.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالميًا بلغ نحو 485 تيراواط ساعة في عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى قرابة 950 تيراواط ساعة بحلول عام 2030، أي ما يقارب الضعف خلال خمس سنوات. ويعادل هذا المستوى المتوقع تقريبًا إجمالي استهلاك اليابان من الكهرباء حاليًا، وفق تقديرات الوكالة.
وتتسارع الزيادة مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ إذ ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات المخصصة لهذه التطبيقات بنحو 50% خلال عام 2025 وحده، متجاوزًا معدل نمو استهلاك مراكز البيانات إجمالًا، الذي بلغ 17% خلال العام نفسه
وقد خلق هذا الطلب المتزايد نموذجاً اقتصادياً جديداً يمكن وصفه بـ”الاقتصاد الصامت”، حيث تتدفق المليارات بعيداً عن أعين المستهلكين إلى شركات لا يتعامل معها الجمهور مباشرة. فبينما يعرف الجميع أسماء التطبيقات والمنصات الذكية، فإن القليل يدرك أن الأرباح الضخمة تتراكم أيضاً لدى الشركات التي توفر المساحات والطاقة وأنظمة التبريد والخوادم التي تشغل تلك التطبيقات.
وفي الوقت الذي تتغير فيه أسماء الرابحين بين دورة تكنولوجية وأخرى، تبدو مراكز البيانات مرشحة للاحتفاظ بمكانتها الرابحة لفترة طويلة. فالذكاء الاصطناعي ليس منتجاً واحداً أو شركة واحدة، بل منظومة كاملة تعتمد على بنية تحتية تتطلب استثمارات بمئات المليارات من الدولارات. ولهذا السبب، قد لا يكون الرابح الأكبر في ثورة الذكاء الاصطناعي هو من يبيع النموذج الذكي نفسه، بل من يمتلك “الأرض الرقمية” التي يعمل عليها الجميع.






