تشير دراسة جديدة -حللت مجموعة بيانات ضخمة ومستمدة من الواقع الفعلي لمستخدمي تطبيق “Nerivio”- إلى أن نموذج الذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ باحتمالية الإصابة بنوبة الصداع النصفي في اليوم التالي بدقة تبلغ 91.2%.
وقد وجد النموذج أن شدة الصداع وأنماطه لدى الشخص خلال الأيام الثلاثين السابقة توفر معلومات أكثر دلالة مقارنةً بالأعراض الأولية (المنذرة) التي تسبق النوبة مباشرة.
ويؤكد الباحثون أن هذه التقنية تهدف إلى مساعدة الأشخاص على الاستعداد، وليس إلى تشخيص الحالة أو تغيير علاج الصداع النصفي، مشيرين في الوقت ذاته إلى الحاجة لمزيد من الأبحاث.
ويعد الصداع النصفي (الشقيقة) حالة شائعة للغاية في الولايات المتحدة، إذ تصيب ما يقرب من 12% إلى 15% من السكان، مما يجعلها واحدة من أكثر الاضطرابات العصبية انتشاراً في البلاد.
وغالباً ما تبدأ نوبات الصداع النصفي بمرحلة “بادرة” (أعراض أولية)، قد تظهر قبل ساعات أو حتى أيام من بدء أعراض الصداع النصفي الفعلية. وتشمل العلامات البادرة الشائعة: التعب، والتثاؤب، وتغيرات في المزاج أو الوظائف الإدراكية، وتيبس الرقبة، والرغبة الشديدة في تناول أطعمة معينة، والغثيان، والحساسية تجاه الضوء أو الصوت.
ويُمثّل النمط المتكرر للأعراض الأولية (البادرية) لدى الفرد غالباً إنذاراً مبكراً لاحتمالية تطور نوبة مرضية. ويمكن أن تتيح معرفة هذه العلامات التحذيرية الشخصية للمرء إدراك قرب حدوث النوبة، ومن ثم البدء -عند الاقتضاء- في خطة علاج مبكر قد تساعد في تخفيف حدة النوبة أو تقليص مدتها لدى بعض الأشخاص.
وتشير دراسة جديدة إلى أن نموذجاً للتعلم الآلي – تم تدريبه باستخدام بيانات مستمدة من أكثر من 53 ألف شخص يعانون من الصداع النصفي – يمكنه التنبؤ باحتمالية إصابة الشخص بنوبة صداع نصفي في اليوم التالي بدقة تصل إلى 91%.
والجدير بالذكر أن هذه النتائج، التي نُشرت في دورية “Neurology”، تشير إلى أن أنماط الصداع لدى الشخص خلال الشهر السابق قد توفر معلومات أكثر فائدة حول خطر الإصابة بنوبة صداع نصفي في اليوم التالي مقارنةً بالأعراض المنذرة (أعراض ما قبل النوبة).
وبدلاً من التركيز بشكل أساسي على الأعراض المنذرة (البادرية)، درس الباحثون أنماطاً طويلة الأمد في السجل المرضي للأفراد؛ حيث قاموا بتحليل بيانات مستمدة من 53,065 مستخدماً لتطبيق “Nerivio”، مما أسفر عن جمع 770,473 تقريراً يومياً في الفترة ما بين يناير 2020 ويوليو 2025.
وتضمنت مجموعة البيانات معلومات مستمدة من مذكرات إلكترونية لتسجيل نوبات الصداع النصفي، واستبيانات، وبيانات ديموغرافية، ومعلومات عن الطقس مرتبطة بالموقع الجغرافي.
وعقب ذلك، اختبر الباحثون 7 خوارزميات للتعلم الآلي لتحديد ما إذا كان بالإمكان استخدام هذه البيانات للكشف عن الأشخاص المحتمل تعرضهم لنوبة صداع نصفي في اليوم التالي، وقد تبين أن النموذج الأفضل أداءً هو نسخة مخصصة من خوارزمية تُعرف باسم “XGBoost”.
وحقق النموذج دقة بنسبة 91.2%، مما يعني أنه عندما تنبأ باحتمالية إصابة شخص ما بالصداع النصفي في اليوم التالي، كان هذا التنبؤ صحيحاً في حوالي 91% من الحالات ضمن مجموعة بيانات الدراسة.
ومن النتائج البارزة للدراسة أن أقوى المؤشرات التنبؤية لم تكن مستمدة من الأعراض البادرية (التي تسبق النوبة)، بل أولى النموذج أهمية كبيرة لأنماط الصداع لدى الشخص خلال الأيام الثلاثين السابقة.
وعلى وجه التحديد، كان المتوسط المتحرك لشدة الصداع خلال الشهر السابق هو العامل الفردي الأكثر تأثيراً؛ إذ ساهمت العوامل المستمدة من بيانات الأيام الثلاثين التي سبقت النوبة بنحو 56% من أداء النموذج، في حين شكلت المعلومات المتعلقة بالأعراض البادرية حوالي 11% فقط.
ويشير هذا إلى أن خطر الإصابة بنوبة الصداع النصفي قد لا يتأثر فقط بما يحدث قبيل النوبة مباشرة، بل أيضاً بالأنماط التي تظهر وتتطور على مدار عدة أسابيع.
وتقدم النتائج أدلةً على أن البيانات الطولية التي يولدها المرضى قد تنطوي على مؤشرات مفيدة للتنبؤ بنوبات الصداع النصفي.
وبدلاً من الاعتماد حصراً على الأعراض المنذرة، يمكن لأدوات التنبؤ المستقبلية بالصداع النصفي أن تجمع بين معلومات تتعلق بتكرار نوبات الصداع وشدتها، وأنماط النوبات الأخيرة، والخصائص الفردية، والعوامل البيئية.
وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الصداع النصفي، قد تعتمد القيمة العملية -في نهاية المطاف- على ما إذا كانت التوقعات الأكثر دقة ستؤدي إلى تحسينات ملموسة في حياتهم اليومية؛ مثل الاستعداد الأفضل، وتقليل الاضطرابات، وتخفيف القلق، أو تحسين سبل التعامل مع النوبات.
وفي الوقت الراهن، تُظهر النتائج أن تقنيات التعلم الآلي قادرة على رصد أنماط معينة ضمن بيانات الصداع النصفي التي تُسجَّل بانتظام في المذكرات اليومية للمرضى، واستخدام تلك الأنماط لتوفير معلومات حول احتمالية حدوث نوبات في اليوم التالي، وذلك دون أن يحل ذلك محل التشخيص السريري أو القرارات المتعلقة بوصف العلاج.





