ناجي الخوري
تنطلق المسؤولية التاريخية للمؤسسات المعنية، بقانون الفجوة المالية، من حقيقة اقتصادية أساسية: المودع لم يكن صاحب القرار في السياسات التي أنتجت الفجوة المالية. فالأزمة نتجت عن تراكم اختلالات مالية ونقدية ومصرفية، وعن نمط تمويل استمر سنوات، قبل أن ينفجر مع انهيار الثقة وتوقف تدفقات الأموال.
فقد قدّر صندوق النقد، في تقريره لعام 2023، إجمالي الخسائر في النظام المالي بنحو 70 مليار دولار، مع التأكيد أن الرقم يحتاج إلى تدقيق شامل للأصول وإعادة هيكلة الدين للوصول إلى تقدير نهائي.
لكن المشكلة اليوم تكمن في الانتقال من تشخيص المسؤولية إلى توزيع الخسارة. وهنا تحديداً تظهر حساسية قانون الفجوة المالية. فالصندوق شدد في أحدث مهمة له في بيروت، في 18 أيلول 2026، على ضرورة احترام ترتيب أولوية المطالبات، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين من الفئات الأدنى أولوية. كما ربط أي خطة لاسترداد الودائع باستدامة المصارف واستدامة الدين العام والمالية العامة.
هذا يعني أن المعادلة التي يضغط باتجاهها صندوق النقد ليست ببساطة “الدولة تدفع” أو “المصارف تدفع”، بل إعادة بناء التسلسل القانوني والمالي للخسائر. فالمساهمون يتحملون أولاً خسائر رأس المال، ثم يأتي دور أدوات الدين وغيرها وفق ترتيبها، قبل الانتقال إلى شرائح أخرى، مع إعطاء حماية أكبر للمودعين، وخصوصاً صغار المودعين، قدر الإمكان ضمن حدود الموارد المتاحة واستدامة المالية العامة. وكان الصندوق قد أكد هذا المبدأ أيضاً في شباط الماضي.
في المقابل، تبرز عقدة مسؤولية الدولة. فالدولة اللبنانية لا تستطيع التعامل مع الفجوة وكأنها مجرد أزمة مصرفية خاصة، لأن جزءاً كبيراً من منظومة الخسائر ارتبط بعلاقة الدولة بمصرف لبنان والمصارف وبالدين السيادي. لكن تحميل الخسائر مباشرة إلى المالية العامة يحمل مخاطرة أخرى: تحويل الخسارة المصرفية إلى دين عام جديد، بما قد يضعف قدرة الدولة على استعادة الاستدامة المالية ويحمّل الأجيال المقبلة كلفة الانهيار.
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات الحالية: كيف يمكن للدولة أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية من دون أن تتحول إلى ممول مفتوح للخسائر؟
سؤال يفسر جانباً من الخلاف حول النسخة المعدلة من قانون الفجوة. فالمسألة لم تعد فقط حجم الأموال التي يمكن إعادتها إلى المودعين، بل مصدر هذه الأموال وتوقيتها وكلفتها على الدولة والاقتصاد. وقد أشارت تقارير عن المفاوضات خلال العام الحالي إلى خلافات حول مساهمة الدولة، وفترة السداد، وحجم الحماية المباشرة للودائع، وآليات اعادتها.
أما من زاوية الاقتصاد السياسي، تكمن الخطورة في محاولة إنتاج قانون يرضي جميع الأطراف في الوقت نفسه: المودع يريد استرداد أمواله، والمصارف تريد حماية ميزانياتها وقابليتها للاستمرار، والدولة تريد الحد من التزاماتها، فيما يريد صندوق النقد قانوناً قابلاً للتطبيق لا يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بعد سنوات.
لذلك فإن العدالة في توزيع الخسائر لا تعني فقط تحديد المسؤول السياسي أو المؤسساتي عن الماضي، بل تحديد القدرة الاقتصادية لكل طرف على تحمل الخسارة من دون إسقاط النظام المالي مجدداً.
الأهم أن صندوق النقد لا ينظر إلى قانون الفجوة كملف منفصل. فهو يربطه بإعادة هيكلة المصارف، وإصلاح المالية العامة، واستدامة الدين، وإعادة بناء الثقة. وفي آخر بيان له، اعتبر أن تعديل قانون حل المصارف خطوة مهمة، لكنه أكد أن العمل على قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع يجب أن يستمر ليتوافق مع المعايير الدولية ويؤمّن أقصى حماية ممكنة للمودعين ضمن الاستدامة المالية والمصرفية.
عليه، فإن المعركة الحقيقية حول قانون الفجوة ليست بين “الدولة والمودعين” فقط، ولا بين “المصارف والمودعين”. إنها معركة حول إعادة تعريف العقد المالي اللبناني بعد الانهيار: من يتحمل الخسارة أولاً؟ من يملك القدرة على إعادة تكوين رأس المال؟ ما حجم مساهمة الدولة؟ وما الحد الفاصل بين حماية المال العام وحماية حقوق المودعين؟
فالاعتراف بأن المودعين لم يتخذوا القرارات التي صنعت الأزمة لا يحسم وحده طريقة التعويض، لكنه يضع قاعدة أساسية للنقاش: لا يجوز أن تتحول حماية المالية العامة إلى تحميل المودع وحده كلفة أخطاء منظومة كاملة. وفي المقابل، فإن تحميل الدولة كامل الخسائر من دون تحديد مصادر تمويل واقعية قد يعني عملياً نقل الخسارة من حسابات مصرفية إلى ميزانية دولة مثقلة أصلاً.
لهذا سيكون قانون الفجوة، في صيغته النهائية، أكثر من قانون لإعادة الودائع. سيكون اختباراً لمصداقية الدولة والمصارف معاً، واختباراً لقدرة لبنان على إقناع صندوق النقد بأن معالجة الانهيار هذه المرة لا تقوم على ترحيل الخسائر من طرف إلى آخر، بل على توزيعها وفق ترتيب قانوني واقتصادي قابل للاستمرار.








