ناجي الخوري
لم تعد التحذيرات التي تطلقها الهيئات الاقتصادية اللبنانية تندرج في إطار الشكوى التقليدية من ارتفاع الأكلاف أو تراجع الحركة التجارية، بل بدأت تلامس حدود الإنذار الاجتماعي والاقتصادي الشامل.
فاجتماع الهيئات الاقتصادية الطارئ، في 22 أيلول، جاء على وقع معادلة شديدة التعقيد: اقتصاد يخرج من أزمة مالية مستمرة منذ سنوات، ثم يتلقى ضربة جديدة من الحرب وارتفاع أسعار الطاقة والنقل، فيما تواجه المؤسسات الخاصة في الوقت نفسه أعباء ضريبية وتشغيلية متصاعدة وسوقاً داخلية ضعيفة. وقد حذرت الهيئات صراحة من سقوط آلاف المؤسسات وفقدان عشرات آلاف اللبنانيين وظائفهم إذا استمرت الضغوط الحالية.
اللافت أن هذا التحذير يتقاطع مع مؤشرات دولية أكثر قسوة. فالبنك الدولي كان قد توقع في آب انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في 2026، بعدما حقق الناتج المحلي نمواً مقداره 4.2% في 2025. لكن صندوق النقد الدولي، بعد مهمة أجراها بين 15 و18 أيلول، أكد أن النشاط الاقتصادي يتجه إلى انكماش كبير في 2026، مع بقاء التضخم في خانة العشرات واتساع عجز الحساب الجاري بفعل ارتفاع كلفة الطاقة. وبالتالي، فإن رقم “أكثر من 8%” الذي أوردته الهيئات الاقتصادية يعكس تقديراً أكثر تشاؤماً من الرقم المنشور للبنك الدولي، لكنه يأتي في بيئة اقتصادية تؤكد المؤسسات الدولية نفسها أنها شديدة الهشاشة.
واضح أن الانكماش لم يعد رقماً في الحسابات القومية، بل أصبح يظهر مباشرة في ميزانيات الشركات وفي قدرة الأسر على الاستهلاك. فحين ترتفع كلفة المحروقات، لا يتأثر قطاع النقل وحده، اذ تنتقل الزيادة إلى كلفة الإنتاج والتوزيع والتبريد والخدمات والمواد الأولية، ثم إلى أسعار السلع، وصولاً إلى المستهلك. هكذا تدخل الدورة الاقتصادية في حلقة مفرغة: كلفة أعلى، أسعار أعلى، استهلاك أقل، مبيعات أضعف، وهوامش ربح تتقلص، ثم تخفيض في ساعات العمل أو عدد الموظفين، وربما إقفال المؤسسة.
هكذا تحولت الطاقة تحديداً إلى أحد أخطر عناصر الضغط على القطاع الخاص. فقد أعدّت مؤسسة كهرباء لبنان موازنتها لعام 2026 على أساس سعر يقارب 680 دولاراً لطن الغاز أويل، فيما اقترب السعر العالمي خلال الأزمة من 1500 دولار للطن، أي أكثر من ضعف الفرضية التي بُنيت عليها الحسابات، اذ تشير تقديرات منشورة إلى أن كلفة تشغيل معامل الكهرباء الرئيسية ارتفعت بصورة حادة، فيما بات استمرار التغذية مرتبطاً بكلفة إضافية كبيرة تتحملها المؤسسة والاقتصاد اللبناني بصورة مباشرة وغير مباشرة.
النتيجة، أن المؤسسات لا تدفع فاتورة كهرباء واحدة، بل فاتورتين: فاتورة الدولة، وفاتورة المولدات الخاصة عند انقطاع التيار. وقد بلغ تعرفة المولدات الخاصة في أيلول نحو 48,241 ليرة لبنانية للكيلوواط/ساعة، بزيادة تقارب 19% عن تموز، وباتت التعرفة أعلى بنحو 60% تقريباً من مستويات شباط، وفق بيانات وتقارير منشورة.
أما المحروقات، فتضيف طبقة أخرى من الكلفة.
ففي 18 أيلول بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان نحو 2.81 مليون ليرة، فيما تجاوز مجموع الرسوم والضريبة على القيمة المضافة 600 ألف ليرة وفق جدول تركيب الأسعار المنشور آنذاك. في هذا السياق تطالب الهيئات الاقتصادية بتعليق رسم الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين حتى نهاية 2026، معتبرة أن تخفيف العبء الفوري عن المؤسسات والقطاعات المنتجة أصبح ضرورياً.
لكن الأخطر هو انتقال الأزمة من الشركات إلى سوق العمل. فالأرقام التي نشرتها منظمة العمل الدولية في تموز ترسم صورة شديدة الدلالة: في مسح شمل 2485 عاملاً في القطاع الخاص، كان 33% منهم خارج العمل وقت إجراء المسح في أيار، فيما تراجع متوسط دخل العمل بنسبة 40.4% عند احتساب خسارة الوظائف وانخفاض مداخيل العاملين. كما بلغت نسبة فقدان العمل 76.5% بين المقيمين في محافظة النبطية و43.2% في الجنوب.
هنا تكمن خطورة الإنذار الذي تطلقه الهيئات الاقتصادية: إقفال المؤسسات لا يعني خسارة أرباح أصحابها فقط، بل يعني فقدان وظائف، تراجعاً في الاستهلاك، انخفاضاً في الإيرادات الضريبية، واتساع الاقتصاد غير النظامي والهجرة. أي أن الدولة نفسها قد تدفع لاحقاً ثمن السياسات التي تحاول من خلالها زيادة الإيرادات في المدى القصير، إذا أدت الأكلاف والضرائب المرتفعة إلى تقليص القاعدة الاقتصادية التي تُحصّل منها الضرائب.
وتزداد الصورة تعقيداً مع تقدير البنك الدولي ارتفاع التضخم إلى 17.5% في 2026، نتيجة اضطرابات الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن والنفط، فيما يؤكد صندوق النقد أن ارتفاع الطاقة أدى إلى اتساع عجز الحساب الجاري.
من هنا، لا تبدو المعالجة المطلوبة مجرد خفض سعر البنزين أو زيادة ساعات التغذية الكهربائية، رغم أهميتهما. المطلوب هو خطة طوارئ اقتصادية ـ اجتماعية تحافظ على المؤسسات والوظائف، بالتوازي مع الإصلاح المالي والمصرفي. فالهيئات الاقتصادية تطالب بإعادة تشغيل معملي الذوق والجية، وتخفيف الأعباء الضريبية، وفتح حوار مباشر بين الحكومة والهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام.
في المقابل، يذكّر صندوق النقد بأن أي زيادة في الإنفاق العام أو الرواتب تحتاج إلى إطار مالي شامل وإيرادات مقابلة، محذراً من الإجراءات المالية المجتزأة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على الانضباط المالي واستكمال إصلاح القطاع المصرفي وقانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع.
إذاً، المعادلة باتت واضحة: لبنان لا يواجه أزمة مؤسسات فقط، ولا أزمة وظائف فقط، بل خطر انكماش اقتصادي يتحول تدريجياً إلى أزمة اجتماعية. فكلما طال أمد ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والضرائب في اقتصاد يعاني أصلاً ضعف الطلب والاستثمار والتمويل، اقتربت مؤسسات إضافية من نقطة الانسحاب من السوق.
لذلك، فإن السؤال لم يعد كم مؤسسة ستصمد، بل كم مؤسسة تستطيع الدولة إنقاذها قبل أن يتحول الانكماش الاقتصادي إلى فقدان دائم للقدرة الإنتاجية وفرص العمل.






