وصف مسؤول في مايكروسوفت تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بأنه «أكبر سرقة للعمل في تاريخ البشرية».
جاء هذا ضمن مذكرة قانونية قدمتها صحيفة نيويورك تايمز في دعوى حقوق النشر ضد شركتي «أوبن إيه آي» ومايكروسوفت.
وذكرت الصحيفة في المذكرة أن مسؤولًا تنفيذيًا في مايكروسوفت وصف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بأنه «أكبر سرقة للعمل في تاريخ البشرية»، فيما وصفه في مناسبة أخرى بأنه «سرقة مذهلة ذات أبعاد غير مسبوقة».
وتعود التصريحات إلى مدير العلوم التطبيقية في مايكروسوفت وأستاذ في جامعة نورث وسترن، برنت هيشت، وقد وردت ضمن مذكرة قانونية قدمتها نيويورك تايمز ومؤسسات إخبارية أخرى، وكُشف عنها الخميس بعد رفع السرية عنها.
وتستند المذكرة إلى رسائل إلكترونية وسجلات داخلية حصل عليها المدعون خلال مرحلة اكتشاف الأدلة، إلى جانب إفادات لمسؤولين تنفيذيين رئيسيين.
احتيال بالمليارات
وترى المؤسسات الإخبارية المدعية أن الوثائق تكشف كيفية بناء مايكروسوفت و«أوبن إيه آي» نموذج أعمال تقدر قيمته بمليارات الدولارات اعتمادًا على أعمال المؤسسات الصحفية، التي أُدخلت بكميات ضخمة في أدوات الذكاء الاصطناعي لتدريبها، غالبًا من دون إذن صريح من الناشرين.
وتقول إن الشركتين استخدمتا هذه المواد لبناء أنظمة قادرة على نقل المعلومات إلى القراء دون منح الصحفيين والمؤسسات الأصلية ما يكفي من الإسناد أو المقابل المالي.
وقالت مايكروسوفت إن تصريحات هيشت «تعكس وجهة نظر فردية لموظف واحد، وليست تحليلًا قانونيًا، ولا تمثل موقف الشركة».
وتتمسك شركات الذكاء الاصطناعي بأن استخدام المواد لتدريب النماذج يندرج ضمن مبدأ الاستخدام العادل (Fair Use)، وأنها لم تستخدم المحتوى الإخباري أو تقدمه بصورة غير قانونية.
إلا أن مذكرة نيويورك تايمز تشير إلى وجود خلافات داخلية بشأن تدريب النماذج على الصحافة، بما يكشف، وفق المدعين، توترًا بين الحجج القانونية التي تقدمها الشركات علنًا والنقاشات الداخلية حول الجوانب الأخلاقية لهذه الممارسة.
وتكشف الوثائق كذلك عن تقدير بعض مسؤولي الذكاء الاصطناعي لقدرة التكنولوجيا على محاكاة العمل الصحفي.
ففي رسالة عام 2020، قال الرئيس والمدير المشارك في تأسيس «أوبن إيه آي»، جريج بروكمان، إن النماذج «تبدو جيدة بصورة خاصة في التنبؤ بنصوص المقالات الإخبارية»، مشيرًا إلى أنها عندما يُطلب منها إكمال جملة في مقال من نيويورك تايمز، فإنها تفعل ذلك «بدقة».
وأضاف، وفق المذكرة، أن النماذج «جيدة جدًا في أي مهمة إخبارية».
وخلال إفادته، قال الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، ساتيا ناديلا، إن روبوتات المحادثة توفر «المعلومات مباشرة على الموقع الإلكتروني عبر منصة الذكاء الاصطناعي بدلًا من الحاجة إلى الذهاب إلى المصدر الأصلي».
وردت مايكروسوفت بأن شهادة ناديلا وموقفها القانوني «متسقان تمامًا»، موضحة أنه تحدث عن مبادئ عامة والتغيرات الجارية في طريقة العثور على المعلومات واستهلاكها.
وتطلب نيويورك تايمز من قاضٍ اتحادي إصدار حكم موجز يعتبر مايكروسوفت واوبن ايه أى مسؤولتين عن «النسخ غير المصرح به في كل مرحلة من مراحل مسار الذكاء الاصطناعي».
أدلة حاسمة
ويرى محامو المؤسسات الإخبارية أن الأدلة تمثل دليلًا حاسمًا على معرفة الشركتين بأن استخدام الصحافة دون إذن أو دفع مقابل كان خاطئًا. وقال المحامي ستيفن ليبرمان إن الأدلة تكشف، للمرة الأولى، أن «أوبن إيه آي» ومايكروسوفت كانتا تعلمان أن ما تفعلانه «خاطئ»، مضيفًا أن الشركتين طالبتا طوال القضية بالحفاظ على سرية الوثائق.
وتعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة على كميات هائلة من البيانات التي تُجمع من الإنترنت المفتوح.
وتقول شركات الذكاء الاصطناعي إن استخدام المعلومات المتاحة للعامة لتدريب الأنظمة يشبه قراءة الطالب للكتب من أجل التعلم، بينما يجادل الروائيون والموسيقيون وغيرهم من العاملين في المجالات الإبداعية بأن أعمالهم استُخدمت دون إذن لبناء أدوات يمكن أن تحل محلهم.
وكانت نيويورك تايمز قد رفعت دعواها ضد مايكروسوفت واوبن ايه أى في 2023 بعد نحو عام من إطلاق ChatGPT، وانضمت إليها مؤسسات إخبارية أخرى، بينها New York Daily News وThe Intercept وCenter for Investigative Reporting.
وقالت الصحيفة في مذكرتها إن أوبن ايه أى، بعد رفع الدعوى، أنشأت مرشحًا للحد من المخرجات التي يمكن استخدامها لاحقًا كأدلة ضدها، مع استهداف المدعين بصورة محددة.
نزاعات بين الجانبين
وتأتي القضية ضمن سلسلة نزاعات بين المؤسسات الإعلامية التقليدية وشركات الذكاء الاصطناعي، إذ تقاضي نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال كل منهما محرك البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي Perplexity، بينما أبرمت أنثروبيك، مطورة كلاود، تسوية مع مؤلفي الكتب بقيمة 1.5 مليار دولار في 2025.
وفي خطاب ألقاه في 1 حزيران، اتهم ناشر نيويورك تايمز إيه. جي. سولزبيرجر شركات الذكاء الاصطناعي بـ«اختطاف الساحة العامة» عبر سرقة الصحافة، وقال إنها تعيد تقديم هذه الأعمال باعتبارها أعمالًا خاصة بها، مستحوذة على الجمهور والإيرادات التي كانت ستذهب إلى المؤسسات التي أنتجت المحتوى.
وحذر سولزبيرجر من أن ذلك يمثل تهديدًا للصحافة وللجمهور، معتبرًا أن مستقبل المجتمع الصحي والديمقراطية المستقرة يعتمد على الحقيقة والفهم والمساءلة التي توفرها الصحافة الأصلية.


