ناجي الخوري
للمرة الثالثة، تحاول وزارة المالية أن تثبت أن لبنان قادر على الالتزام بالروزنامة الدستورية والمالية في إعداد مشروع الموازنة وإحالته في موعده، مع إحالة مشروع موازنة 2027 إلى مجلس الوزراء في 2 أيلول، بحسب السجل المنشور لوزارة المالية.
لكن في لبنان، الوصول إلى الموعد ليس هو الإنجاز الأصعب، بل إقرار الموازنة بقانون في الموعد.
هنا تحديداً تكمن أهمية موازنة 2027. فالمطلوب لم يعد مجرد كسر تقليد التأخير في إحالة المشاريع، بل كسر الحلقة الأوسع التي تبدأ بتأخر الإعداد، ثم تتوسع داخل مجلس الوزراء، وتنتقل إلى اللجان النيابية، وتنتهي أحياناً بموازنة تأتي بعد بداية السنة المالية، أو بإنفاق يستند إلى قاعدة الاثني عشرية.
تظهر السنوات الماضية أن الالتزام بموعد الإحالة لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة. صحيح أن موازنة 2026 أُقرت في 29 كانون الثاني 2026، بعد مناقشات نيابية استمرت ثلاثة أيام، وهو تطور وصفته وزارة المالية بأنه ساهم في تحسين التخطيط المالي وتقليص الاعتماد على قاعدة الاثني عشرية.
لكن مجرد وصول الموازنة إلى مرحلة الإقرار في كانون الثاني يذكّر بأن المشكلة اللبنانية ليست في كتابة الموازنة فقط، بل في تحويلها إلى أداة مالية سنوية تعمل في الوقت المناسب.
غير أن الأهم أن موازنة 2027 تأتي في لحظة مختلفة تماماً عن السنوات السابقة. فلبنان لا يتفاوض مع صندوق النقد الدولي على أرقام موازنة منفصلة، بل على مسار مالي كامل يحدد قدرة الدولة على استعادة الاستدامة المالية والدين العام، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتأمين موارد للإنفاق الاجتماعي والاستثماري، حيث شدد صندوق النقد، في شباط الماضي، على ضرورة إعداد إطار مالي متوسط الأجل يكون أساساً لإعادة هيكلة الدين السيادي، دعم استراتيجية إعادة هيكلة المصارف، وتوسيع الإنفاق الاجتماعي والرأسمالي، مع التشديد على تعبئة الإيرادات.
ما تقدم، يعني أن الصندوق لن ينظر إلى موازنة 2027 باعتبارها مجرد جدول للإيرادات والنفقات، بل باعتبارها اختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ سياسة مالية منضبطة ومتوقعة وقابلة للاستمرار.
وهنا تكمن المشكلة.
فالتقرير التشخيصي لصندوق النقد حول الحوكمة والفساد أشار بوضوح إلى أن عملية إعداد الموازنة في لبنان ما زالت تعاني من ضعف المنظور المتوسط الأجل، وغياب سقوف إنفاق كلية متسقة مع الاستدامة المالية، فضلاً عن أن عملية إعداد الموازنة تكون في أحيان كثيرة غير منظمة، مع خروقات للروزنامة المحددة. بمعنى آخر: الصندوق يريد موازنة تقود السياسة المالية، لا موازنة تلحق بها.
الا ان التحدي الأكبر أمام موازنة 2027 لن يكون جمع الإيرادات فقط، بل السيطرة على النفقات التي أصبحت أكثر صعوبة في ظل ارتفاع كلفة الرواتب والأجور والتقاعد، والحاجة إلى تمويل الجيش والأمن والخدمات العامة، بالتوازي مع حاجات إعادة الإعمار والاستثمار.
وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن الإنفاق الأولي الجاري سيبقى مرتفعاً، فيما تصل نفقات العاملين إلى مستويات متقدمة من الإنفاق العام في السنوات المقبلة. وفي السيناريو الأساسي للصندوق، يرتفع الإنفاق على العاملين من نحو 275.6 ألف مليار ليرة في 2026 إلى نحو 319.6 ألف مليار في 2027.
أرقام تضع الحكومة أمام معادلة شديدة الحساسية:
زيادة الإنفاق من دون زيادة الإيرادات تعني اتساع الاختلال المالي، وزيادة الضرائب من دون إصلاح إداري تعني مزيداً من الضغط على الاقتصاد.
لذلك، فإن موازنة 2027 يجب أن تكون أول موازنة لبنانية منذ سنوات تُبنى على سقف مالي متوسط الأجل، لا على مفاوضات اللحظة الأخيرة بين الوزارات والقوى السياسية. فماذا يريد صندوق النقد تحديداً؟
بالنسبة إلى الصندوق، لا تكفي المصادقة على الموازنة كي يقال إن الإصلاح المالي تحقق.
المطلوب هو أن تكون الموازنة جزءاً من منظومة إصلاح تشمل تحديث النظام الضريبي، تحسين التحصيل، ضبط الإنفاق، إعادة هيكلة المصارف، معالجة الدين العام، وإرساء إطار مالي متوسط الأجل.
وقد أكد الصندوق أن الإصلاحات المالية والمصرفية مترابطة، وأن الإطار المالي المتوسط الأجل ضروري لدعم إعادة هيكلة المصارف والدين، فيما شدد على أن أي التزامات إنفاق جديدة، بما فيها زيادات الرواتب والتقاعد، يجب أن تكون منسجمة مع هذا الإطار ومصحوبة بإجراءات لزيادة الإيرادات.
لذلك، فإن تأخير موازنة 2027 لن يكون مجرد مشكلة دستورية أو إدارية؛ سيكون رسالة سلبية مباشرة إلى صندوق النقد بأن الدولة لا تزال غير قادرة على تحويل التزاماتها الإصلاحية إلى آلية مالية سنوية قابلة للتنفيذ.
في كل الاحوال، في المرحلة المقبلة، قد تصبح موازنة 2027 واحدة من أهم أوراق التفاوض اللبنانية مع الصندوق. فإقرارها في الموعد، وبأرقام واقعية، ومن دون إنفاق شعبوي أو تقديرات إيرادات متفائلة، يمكن أن يعطي بيروت ورقة قوة: الدولة بدأت فعلاً تستعيد السيطرة على ماليتها العامة.
أما إذا تحولت الموازنة إلى ساحة تجاذب سياسي، وأضيفت إليها نفقات غير ممولة، أو جرى تخفيض الإيرادات المتوقعة لأسباب شعبوية، أو عاد البرلمان إلى إعادة صياغتها على نحو ينسف أهدافها المالية، فإن الرسالة ستكون معاكسة تماماً.
فصندوق النقد لا يحتاج إلى موازنة جميلة على الورق؛ يحتاج إلى موازنة يمكن للدولة أن تنفذها.
هنا تحديداً تكمن فرصة موازنة 2027. فإذا نجحت الحكومة في إقرارها في الوقت الدستوري، وربطتها بإطار مالي متوسط الأجل، وضبطت الإنفاق، ووسعت الإيرادات من دون خنق الاقتصاد، فقد تكون الموازنة أكثر من قانون مالي: قد تكون أول دليل عملي على أن لبنان بدأ يستعيد إدارة دولته المالية.
أما إذا نجحت وزارة المالية في الإحالة وفشلت السلطة السياسية في الإقرار والتنفيذ، فسيكون لبنان قد كسر نصف المشكلة فقط. لكن النصف الآخر يبقى الأهم.
فالسؤال في 2027 لن يكون: هل أحالت الحكومة الموازنة في موعدها؟ بل: هل أصبح لبنان قادراً أخيراً على أن يحكم ماليته قبل أن تحكمه أزمته؟
وهذه هي النقطة التي سيراقبها صندوق النقد… قبل أن يراقب أرقام الموازنة نفسها.








