ناجي الخوري
يتخطى وضع حجر الأساس لتوسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت، مجرد كونه مشروع بنية تحتية جديد، أو مجرد زيادة في عدد الحاويات التي يستطيع المرفأ استقبالها ومناولتها. ففي الحساب الاقتصادي الأوسع، نحن أمام محاولة لإعادة رسم موقع لبنان على خريطة النقل البحري والتجارة الإقليمية، واستعادة وظيفة كادت تضيع خلال السنوات الماضية بفعل الانهيار المالي، انفجار ٤ آب، الاضطرابات الأمنية والحروب، وتبدّل مسارات التجارة في شرق المتوسط.
فالمشروع الذي تنفذه مجموعة CMA CGM باستثمار يبلغ نحو 100 مليون دولار، سيرفع مساحة محطة الحاويات من نحو 45 هكتاراً إلى قرابة 80 هكتاراً، فيما سترتفع القدرة السنوية للمناولة من نحو 1.2 مليون إلى 2.8 مليون حاوية نمطية، مع توقعات بوصولها إلى نحو 3 ملايين حاوية في 2028 وفق المعطيات اللبنانية.
كما يتضمن المشروع رصيفاً جديداً لسفن التغذية، ومعدات مناولة حديثة، وتوسعة مناطق التخزين والتفتيش، وأتمتة بوابات الدخول والخروج، بما يفترض أن يخفّض زمن انتظار السفن ويرفع كفاءة العمليات.
غير أن الأهم من الأرقام هو الرسالة الاقتصادية والسياسية الكامنة وراءها: لبنان يريد العودة إلى لعبة المرافئ، لا الاكتفاء بدور المستورد والمستهلك. فالمرفأ القوي لا يخدم الاقتصاد اللبناني فقط، بل يمكن أن يتحول إلى منصة للترانزيت وإعادة التصدير والمسافنة، وإلى نقطة وصل بين البحر المتوسط والأسواق الواقعة في الداخل العربي، لا سيما إذا أعيد بناء شبكة النقل البرية واللوجستية التي تربط بيروت بسوريا والعراق والأردن ودول الخليج.
هنا تحديداً تكمن الفرصة الاستراتيجية. فالحرب التجارية والاضطرابات الجيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية دفعت الشركات إلى البحث عن مسارات أكثر مرونة، ومرافئ قادرة على استقبال كميات أكبر من البضائع وإعادة توزيعها بسرعة. من هذه الزاوية، فإن موقع بيروت على شرق المتوسط يمكن أن يتحول من مجرد ميزة جغرافية إلى أصل اقتصادي فعلي، شرط أن يترافق مع قدرة تشغيلية تنافسية واستقرار سياسي وأمني.
فالزيادة من نحو 1.2 مليون إلى قرابة 3 ملايين حاوية ليست تفصيلاً تقنياً. إنها أكثر من مضاعفة للطاقة الاستيعابية، وتعني أن لبنان يريد امتلاك القدرة على التعامل مع أحجام من التجارة تتجاوز حاجاته المحلية. وهذه هي النقطة التي يمكن عندها أن ينتقل المرفأ من وظيفة “بوابة لبنان” إلى وظيفة “بوابة المنطقة”، وهي الوظيفة التي تحدث عنها رئيس الحكومة نواف سلام عندما ربط التوسعة باستعادة دور بيروت في الترانزيت وإعادة التصدير وبناء مركز لوجستي متقدم في شرق المتوسط.
غير أن الطريق بين امتلاك القدرة وبين جذب التجارة طويل. فالمنافسة لا تجري مع مرفأ واحد، بل مع منظومة متكاملة من المرافئ الكبرى في شرق المتوسط والخليج، حيث تتوافر بنى تحتية ضخمة، مناطق حرة، شبكات سكك وطرق، إجراءات جمركية سريعة، وخدمات لوجستية متطورة، ما يعني أن توسعة محطة الحاويات يجب ألا تُقرأ باعتبارها نهاية المشروع، بل بداية مشروع أكبر بكثير.
هنا، المعادلة بسيطة: لا يكفي أن تصل السفينة إلى بيروت؛ يجب أن تكون قادرة على تفريغ حمولتها بسرعة، أن تخرج البضاعة من المرفأ من دون عراقيل، وأن تصل إلى مقصدها في لبنان أو المنطقة بكلفة ووقت ينافسان المرافئ البديلة، ما يتطلب إصلاح الجمارك، رقمنة المعاملات، تطوير الطرق، إعادة إحياء النقل السككي مستقبلاً، تحديث المعابر الحدودية، وإنشاء منظومة متكاملة من المستودعات والمناطق اللوجستية.
هكذا، تصبح توسعة المرفأ اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على تحويل الاستثمار الخاص إلى نمو اقتصادي. فاستثمار CMA CGM لا يعني فقط ضخ 100 مليون دولار في الإسمنت والمعدات، بل يحمل أيضاً إشارة إلى أن المستثمر الاستراتيجي يرى إمكانية نمو مستقبلية في حركة المرفأ. الأهم أن الشركة تدير محطة الحاويات منذ عام 2022 بموجب عقد يمتد لعشر سنوات، ما يعطي المشروع بعداً يتجاوز الاستثمار الظرفي إلى رهان طويل الأمد على المرفأ.
أما الرهان اللبناني، هنا، فمزدوج، من جهة، يمكن لنمو حركة الحاويات أن يزيد إيرادات الخزينة ويخلق نشاطاً في النقل والتخليص والتخزين والتأمين والخدمات البحرية والمرافئ والقطاعات المرتبطة بالتجارة، ومن جهة ثانية، يمكن أن يعيد المرفأ إلى بيروت جزءاً من دورها التاريخي كمركز تجاري ومالي وخدماتي في المنطقة.
واقع يفرض شرطاً لا يمكن تجاهله: المرفأ لا يستطيع أن يكون جزيرة مزدهرة داخل دولة مأزومة. فالتنافس على الممرات التجارية يتطلب استقراراً أمنياً وسياسياً، إدارة شفافة، قضاءً فعالاً، إصلاحاً مالياً ومصرفياً، وقدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى خدمات ذات كلفة تنافسية. فكلما تحسنت صورة لبنان الاستثمارية، ارتفعت احتمالات أن تتحول الطاقة الجديدة للمرفأ إلى حركة فعلية، لا إلى قدرة نظرية.
لذلك، فإن حجر الأساس الذي وضع قد يكون عملياً حجراً أساسياً في مشروع أوسع لاستعادة الاقتصاد اللبناني لوظيفته الإقليمية. فإذا نجحت الدولة في استكمال الحلقة البرية واللوجستية والإدارية، فقد لا تعود بيروت مجرد مرفأ يخدم السوق اللبنانية، بل عقدة في شبكة تجارة إقليمية تتشكل من جديد.
المعركة الحقيقية، إذاً ليست على عدد الحاويات التي يستطيع مرفأ بيروت استقبالها، بل على السؤال الأكبر: هل يستطيع لبنان أن يستعيد مكانه على خطوط التجارة بين الشرق والغرب؟
التوسعة أعطت المرفأ القدرة، أما تحويل هذه القدرة إلى نفوذ اقتصادي إقليمي، فيبقى قراراً سياسياً وإصلاحياً بيد الدولة.







