أخبار اقتصادية

الصين تتحول إلى مختبر العالم للأدوية.. وميرك وفايزر في قلب التحول

بدا الحماس واضحاً على مسؤولي شركة “ميرك آند كو” (Merck & Co)، إذ كانوا يطورون دواءً قد يصبح “حجر الزاوية” في علاج السرطان، ويخضع حالياً لـ17 تجربة سريرية متقدمة لاختبار فعاليته ضد أورام الرئة والثدي وأنواع أخرى من السرطان.

قالت مارغوري غرين، نائبة الرئيس الأولى في الشركة، للمحللين في حزيران، خلال أكبر مؤتمر سنوي للسرطان في العالم: “هذا أحد أوسع البرامج في محفظتنا من الأدوية قيد التطوير”.

لكن شركة الأدوية الأميركية التي تأسست قبل 135 عاماً، لم تبتكر هذا العلاج بنفسها. فقد حصلت على ترخيصه من شركة “سيتشوان كيلون-بايوتك بيوفارماسوتيكال” (Sichuan Kelun-Biotech Biopharmaceutical) الصينية التي كانت شركتها الأم، حتى قبل عقد فقط، تُعرف أساساً بإنتاج سوائل الحقن الوريدي التقليدية.

الصين مركز جديد للابتكار الدوائي

“ميرك” ليست الوحيدة التي تتجه إلى الصين بحثاً عن أفكار وابتكارات واعدة. فمنذ بداية العام وحتى نهاية يوليو، أبرمت شركات أدوية أميركية وصينية ما لا يقل عن 32 صفقة ترخيص، ما يضع 2026 على مسار تجاوز الرقم القياسي المسجل العام الماضي عند 45 صفقة، وفقاً لبيانات “بلومبرغ إنتليجنس”.

وتُظهر حسابات “بلومبرغ بيزنس ويك” أن شركات أدوية غربية تجري، إلى جانب تجارب “ميرك”، ما لا يقل عن 38 تجربة سريرية عالمية في مراحل متقدمة لأدوية طُورت في الصين، تشمل علاجات محتملة للسرطان والسمنة.

وقال ديديريك ستاديغ، كبير اقتصاديي قطاع الرعاية الصحية في “آي إن جي” (ING): “أصبحت الصين اليوم بديلاً لمنطقة خليج سان فرانسيسكو، وكامبريدج في ماساتشوستس، وأكسفورد”. وأضاف: “سيكون من الحماقة أن تتجاهل شركات الأدوية ذلك”.

بالنسبة إلى شركات الأدوية الأميركية، يبدو توسيع الشراكات مع الشركات الصينية خياراً بديهياً. وقال روب ديفيس، الرئيس التنفيذي لشركة “ميرك”، للصحفيين في يوليو: “في الصين، يمكنك إنجاز العمل بسرعة مضاعفة وبنصف التكلفة”.

ويبدو جاكوب فان ناردن، رئيس قسم الأورام وتطوير الأعمال في “إيلي ليلي آند كو” (Eli Lilly & Co)، معجباً أيضاً بما تقدمه الصين. وقال في مقابلة في يونيو: “هناك كم هائل من الابتكارات القادمة من الصين، ونحن نبحث فيها عن الفرص تماماً كما نفعل في أي مكان آخر”.

مخاوف من هيمنة الصين الدوائية

لكن المتشددين تجاه الصين يحذرون من أن تعميق هذا التعاون لا يخلو من المخاطر. فمن وجهة نظرهم، قد يؤدي ضخ رؤوس الأموال والخبرات الأميركية في الشركات الصينية إلى تقويض ريادة الولايات المتحدة في قطاع التكنولوجيا الحيوية.

ويرون أن إبرام مزيد من الصفقات مع الصين قد يأتي على حساب الاستثمار في القطاع الأميركي، ويهدد بخسارة وظائف، فيما قد يقود على المدى الطويل إلى إضعاف منظومة التكنولوجيا الحيوية في الولايات المتحدة وزيادة اعتمادها على الصين لتحقيق اختراقات طبية.

يثير تنامي دور الصين في سلسلة تطوير الأدوية مخاوف إضافية، خصوصاً مع توليها بشكل متزايد أجزاء من المرحلة بالغة الأهمية لاختبار الأدوية على البشر، ما قد يمنح بكين نفوذاً غير مسبوق على الولايات المتحدة في أي صراعات جيوسياسية مستقبلية.

ويقول جاكوب بيكرافت، الرئيس التنفيذي لشركة “ستراند ثيرابيوتكس” (Strand Therapeutics) غير المدرجة، إن الشركات الصينية الناشئة “تزاحم حالياً شركات التكنولوجيا الحيوية الصغيرة، لكنها ستشكل أيضاً تهديداً لأعمال شركات الأدوية الكبرى، وفي وقت قريب جداً”. كما يشدد على ضرورة احتفاظ الشركات الأميركية بالسيطرة الكاملة على الأدوية التي ترخصها من الصين.

الكونغرس يتحرك لتقييد الصفقات

في ظل هذه المخاوف، يدفع عدد من مسؤولي شركات التكنولوجيا الحيوية الأميركية ومحللي مراكز الأبحاث، وحتى بعض المستثمرين، نحو فرض قيود وحواجز على هذه الصفقات، معتبرين أنها تشكل تهديداً للقطاع المحلي والأمن القومي.

وتصاعدت هذه المساعي في يونيو، عندما قدم أعضاء في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون يفرض تدقيقاً أكبر من جانب وزارة الخزانة. وفي حال إقراره، ستخضع الاستثمارات الأميركية المتجهة إلى الخارج في قطاع التكنولوجيا الحيوية لآلية المراجعة نفسها المطبقة على أشباه الموصلات وأنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنيات المعلومات الكمية، بموجب قانون أُقر أواخر العام الماضي. وفي مطلع أغسطس، قُدم مشروع قانون مماثل في مجلس الشيوخ.

يقول تود يونغ، السيناتور الجمهوري عن ولاية إنديانا ورئيس لجنة الأمن القومي للتكنولوجيا الحيوية الناشئة: “بلغ هذا التهديد مستوى الإنذار الأحمر”.

ويرى يونغ أن حماية هذا القطاع الحيوي في الولايات المتحدة تتطلب إعادة النظر تدريجياً في صفقات التكنولوجيا الحيوية مع الصين، بالتوازي مع مواصلة الجهود لتبسيط الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر التجارب السريرية في البلاد.

ويضيف: “لا ينبغي قطع هذه العلاقات فوراً أو منع إبرام صفقات جديدة، لكن علينا تقليصها بشكل كبير مع مرور الوقت”. ولم يتخذ يونغ موقفاً من مشروع القانون.

حتى الآن، لم يحرز أي من مشروعي القانون تقدماً في مجلسي الكونغرس، لكنهما يزيدان الضغوط على السلطة التنفيذية لاتخاذ خطوات بشأن هذه القضية.

ورداً على سؤال حول تنامي التعاون بين الولايات المتحدة والصين في قطاع الأدوية، قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي عبر البريد الإلكتروني: “تواصل إدارة ترمب التركيز على ترسيخ تفوق الولايات المتحدة في الابتكار، من خلال تقليص البيروقراطية وتوجيه الموارد بعيداً عن المشاريع الأيديولوجية العبثية”.

شركات الأدوية تحذر من تقييد الصفقات

أما قطاع الأدوية الأميركي الذي لا مصلحة له في أن تتحول التكنولوجيا الحيوية إلى جبهة تنافس جديدة مع الصين على غرار السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي، فيحذر من تداعيات حقيقية لأي قيود على الصفقات مع الصين.

وترى شركات الأدوية الأميركية أن هذه القيود قد تحرمها من مصدر مهم لعلاجات يحتاج إليها المرضى في الولايات المتحدة. كما تعتمد على هذه الأدوية لتعزيز محافظها، في وقت تقترب مجموعة من أدويتها الأكثر مبيعاً من فقدان الحماية التي توفرها براءات الاختراع في السوق الأميركية.

وبحسب ريبيكا ليانغ، رئيسة أبحاث الرعاية الصحية في آسيا لدى “برنشتاين” (Bernstein)، تمثل الأدوية المبتكرة المطورة في الصين ما بين 40% و50% من الأدوية قيد التطوير عالمياً، ما يجعلها مصدراً يصعب على شركات الأدوية متعددة الجنسيات تجاهله في سعيها المستمر لتعزيز ترساناتها من العلاجات.

ويقول بيتر كولشينسكي، الشريك المؤسس لشركة الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية “آر إيه كابيتال” (RA Capital)، والمعارض لمشروع القانون: “إذا أوقف الكونغرس الصفقات بين الصين والولايات المتحدة، فسيكون بمقدور كثيرين في القطاع تحديد أدوية بعينها لن يتمكن المرضى الأميركيون من الحصول عليها نتيجة لذلك”.

وتظهر بيانات “برنشتاين” (Bernstein) أن الأدوية المطورة في الصين شكلت 4% من إجمالي موافقات إدارة الغذاء والدواء الأميركية خلال السنوات الخمس حتى منتصف يونيو، ارتفاعاً من 1% خلال السنوات الخمس المنتهية في 2021.

ويتوقع “مورغان ستانلي” أن تقفز هذه الحصة إلى 35% بحلول 2040.

منفعة متبادلة

تصب هذه الشراكات في مصلحة الجانبين، إذ أصبح بيع حقوق الأدوية إلى الشركات الأميركية مصدراً مهماً للدخل للشركات الصينية، في ظل صعوبة الحصول على التمويل. إذ تراجع تمويل رأس المال الجريء لشركات التكنولوجيا الحيوية الصينية بنسبة 70% عن ذروته المسجلة في 2021، وفقاً لبيانات “فارم كيوب” (PharmCube).

وشكلت الشركات الصينية نحو نصف قيمة صفقات ترخيص الأدوية عالمياً في 2025، وفقاً لبنك الاستثمار “لوكست ووك” (Locust Walk)، فيما قالت الحكومة الصينية إن القيمة المحتملة لهذه الصفقات تتجاوز 130 مليار دولار.

وقال سام فاضلي، كبير محللي قطاع الأدوية لدى “بلومبرغ إنتليجنس”: “أصفها بأنها علاقة تكافلية. شركات الأدوية تحتاج إلى أصول وإلى أدوية، والصين تمثل مصدراً جيداً لكليهما”.

الضغوط لا توقف التعاون الدوائي

في الوقت الراهن، لا يزال زخم الصفقات قوياً. فشركات الأدوية الكبرى تزور الصين بانتظام، وتسعى بنشاط إلى إبرام صفقات ترخيص وتعميق التعاون مع الشركات الصينية.

وفي مايو، وبينما كانت الضغوط تتصاعد في واشنطن، وقعت “بريستول مايرز سكويب” (Bristol Myers Squibb) اتفاقية تعاون تصل قيمتها إلى 15.2 مليار دولار مع “جيانغسو هنغروي فارماسوتيكالز” (Jiangsu Hengrui Pharmaceuticals). ولم تقتصر الصفقة على ترخيص الأدوية، بل أوكلت إلى الشريك الصيني أيضاً إجراء التجارب المبكرة لأربعة أدوية تجريبية تطورها “بريستول مايرز سكويب” نفسها.

وبعد نحو أسبوعين، أبرمت “فايزر” (Pfizer) اتفاقية واسعة النطاق تصل قيمتها إلى 10.5 مليار دولار مع “إنوفنت بايولوجيكس” (Innovent Biologics) لتطوير أدوية للسرطان، وعهدت إلى الشركة الصينية أيضاً بإجراء التجارب الأولية.

وقالت دان ليو، الشريكة الإدارية في “بيفوتال بايوفنتشر بارتنرز تشاينا” (Pivotal bioVenture Partners China) التي نجحت عدة شركات ضمن محفظتها في إبرام صفقات ترخيص: “لم يعد الأمر يقتصر على شراء الأصول”.

في الواقع، قد تأتي محاولات الحد من الاعتماد المتبادل بين القوتين العالميتين بنتائج عكسية. ففي بعض الحالات، تدفع الضبابية التنظيمية إلى تسريع مفاوضات الصفقات، بحسب ييمينغ ليو، الشريك المسؤول عن مكتب شركة المحاماة “كولي” (Cooley) في شنغهاي، الذي يقدم المشورة لشركات أدوية أميركية وصينية بشأن صفقات الترخيص.

كما تلقت شركته طلبات لنقل أصول دوائية صينية إلى خارج البلاد، في مؤشر على أن الشركاء ربما يستعدون لاحتمال فرض قيود، مع إيجاد سبل لمواصلة العمل معاً رغم ذلك.

وقال ليو: “لا يبدو أن الزخم يتباطأ. فقد اعتاد صانعو الصفقات على الضغوط الجيوسياسية التي تخيم على أعمالهم”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *