أخبار خاصة

عندما تتسلم الكفاءة وحسن الادارة وحب المساعدة.. صندوق الزكاة في لبنان… من المساعدة إلى بناء الإنسان.. من حوالي المليوني الى ١٢ مليون دولار

سيدرز ريبورت – خاص

في بلد تتسع فيه دائرة الفقر وتزداد فيه الأعباء على العائلات، يواصل صندوق الزكاة في لبنان، التابع لدار الفتوى في الجمهورية اللبنانية برئاسة القنصل محمد الجوزو ، أداء دور اجتماعي يتجاوز مفهوم المساعدة الآنية، باتجاه بناء مؤسسة قادرة على الوصول إلى الناس، وحماية الأسر الأكثر فقراً، والاستثمار في التعليم والصحة ورعاية الأيتام.
ان ميزانية الصندوق انطلقت من مليون و ٩٠٠ الف دولار عندما استلم الجوزو مهامه في الصندوق لترتفع الى ٧ ملايين دولار في السنة الثانية و٩ مليون دولار في السنة الثالثة والتوقع ان ترتفع ٣٠ في المئة هذه السنة لتصل الى حوالي ١٢ مليون دولار تذهب كلها للمساعدات الصحية والتربوية والاجتماعية وبناء الانسان .

تأسس الصندوق عام 1984، لكن السنوات الأخيرة حملت توجهاً واضحاً نحو تطوير دوره وأدواته. فإلى جانب زيادة حجم البرامج والمساعدات، بدأ العمل على إعادة تنظيم المؤسسة من الداخل، وتطوير هيكليتها الإدارية، وتعزيز الحوكمة والموارد البشرية وآليات المتابعة، وتحديث أنظمة العمل. ويترافق ذلك مع انتشار الصندوق عبر أحد عشر فرعاً على مختلف الأراضي اللبنانية، بما يتيح له أن يكون أقرب إلى الناس وأن يلامس احتياجات المناطق بصورة مباشرة. وينطلق هذا المسار من قناعة بأن توسع المسؤولية الاجتماعية يحتاج إلى مؤسسة قوية قادرة على الاستمرار.

ولعل ما يميز صندوق الزكاة عن كثير من المؤسسات العاملة في الشأن العام هو وضوح هويته. فهو مؤسسة زكوية شرعية، عملها خالص لخدمة الإنسان، بعيداً عن السياسة والحسابات السياسية، وتتعامل مع الناس انطلاقاً من حاجتهم وحقهم في العيش بكرامة. فالزكاة هنا ليست باباً للعمل السياسي أو للاستثمار في حاجات الناس، بل فريضة لها أحكامها ومصارفها ورسالتها الاجتماعية.

وتتوزع برامج الصندوق على أكثر من مسار. فهناك المساعدات الشهرية للأسر، والمساعدات الغذائية والعينية والطارئة، إلى جانب البرامج الصحية والاستشفائية. وفي المقابل، أخذ التعليم مساحة متقدمة من الاهتمام، من خلال المنح والمساعدات التعليمية ومشروع «صنّاع الغد»، انطلاقاً من فكرة بسيطة: مساعدة عائلة على إبقاء ابنها في المدرسة أو الجامعة قد تكون أكثر أثراً من مساعدتها مالياً لسنوات.

الأمر نفسه ينسحب على رعاية الأيتام. فالمقاربة لا تقوم فقط على كفالة مالية شهرية، بل على إبقاء اليتيم في كنف أسرته ومساندته تعليمياً وصحياً واجتماعياً، بما يحفظ له الاستقرار والكرامة وفرصة بناء مستقبله.

أما في الصحة، فيعمل الصندوق على مسارين متوازيين: مساعدة المرضى غير القادرين على تحمّل تكاليف العلاج، وتطوير المؤسسات والمراكز الصحية التابعة له. ويبرز هنا مستشفى خلف الحبتور في عكار، إلى جانب المراكز الصحية في بيروت، والعمل على تعزيز الرعاية الصحية الأولية، بما يجعل الزكاة شريكاً في بناء خدمة صحية مستدامة، لا مجرد مساهمة في تسديد فاتورة علاج.

هذه البرامج تعكس تحولاً تدريجياً في مفهوم العمل داخل الصندوق. فمكافحة الفقر لا يمكن أن تقوم فقط على إعطاء المساعدة، لأن الأسرة التي تحتاج اليوم قد تبقى محتاجة غداً ما لم تتغير الظروف التي دفعتها إلى الفقر. لذلك أصبح الاتجاه أكثر وضوحاً نحو التمكين: تعليم، وصحة، وتأهيل، ومشاريع إنتاجية، إلى جانب شبكة الأمان الاجتماعي التي تبقى ضرورية للأسر غير القادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي موازاة ذلك، يعمل الصندوق على استعادة أحد الأدوار الأساسية لمؤسسة الزكاة: نشر ثقافة الزكاة. فمسؤوليته لا تبدأ عند جمع المال ولا تنتهي عند توزيعه. ومن هنا جاءت الندوات والدورات المتخصصة في احتساب الزكاة، والعمل على تطوير مسار تدريبي يستهدف المحاسبين والخبراء وأصحاب المؤسسات، ويربط بين التأصيل الشرعي والتطبيق المالي والاقتصادي الحديث.

ويعتمد الصندوق كذلك بصورة متزايدة على الشراكة مع المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والصحية والجهات المانحة في لبنان والخارج، بدلاً من العمل بصورة منفردة، بما يسمح بتوسيع دائرة المستفيدين والاستفادة بصورة أفضل من الإمكانات المتاحة.

بعد أكثر من أربعين عاماً على تأسيسه، لم يعد التحدي بالنسبة إلى صندوق الزكاة أن يوزع مساعدات أكثر فحسب. التحدي هو أن يكون أكثر حضوراً وتأثيراً، وأن يعرف أين تذهب الزكاة وماذا تغيّر في حياة الناس.

فالنجاح الحقيقي ليس رقماً مالياً فقط، بل طالباً لم يترك جامعته، ويتيماً بقي محاطاً بأسرته، ومريضاً وجد باباً للعلاج، وعائلة استطاعت أن تتجاوز مرحلة صعبة، وربما شخصاً انتقل يوماً من تلقي الزكاة إلى القدرة على أدائها.

وهنا تكمن رسالة صندوق الزكاة: أن تبقى الزكاة في مكانها الطبيعي، عبادةً ومسؤوليةً اجتماعية، وأن تتحول من مساعدة عند الحاجة إلى عمل مؤسسي يحفظ كرامة الإنسان ويساهم، خطوة بعد خطوة، في مواجهة الفقر وبناء مجتمع أكثر تكافلاً.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *