عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
في بلدٍ نخرته الحروب والاغتيالات والجريمة المنظمة والمخدرات والقتل والسلاح المتفلت طوال نصف قرن، يبدو إقرار قانون للعفو العام، بعد إلغاء عقوبة الإعدام، وكأن الدولة قررت أن تبدأ من النهاية قبل أن تنجز البداية.
السؤال ليس: هل نحن مع الرحمة أم ضدها؟ ولا: هل نعترض على إلغاء عقوبة الإعدام من حيث المبدأ؟ فهذه مسائل قانونية وإنسانية قابلة للنقاش. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: أي دولة هذه التي تمنح العفو قبل أن تضمن العدالة، وتلغي أشد العقوبات قبل أن تثبت أن العقوبة القائمة تُطبَّق فعلاً؟
العفو العام في دولة مستقرة يمكن أن يكون أداة لمعالجة مرحلة استثنائية، أو لطي صفحة صراع، أو لإعادة دمج فئات محددة في المجتمع وفق شروط وضوابط واضحة. أما في بلد ما زال يعاني من آثار الحروب، ومن ضعف مؤسسات الدولة، ومن انتشار السلاح والجريمة والمخدرات والفساد، فإن العفو غير المدروس قد يتحول من وسيلة للمصالحة إلى رسالة خاطئة للجاني قبل الضحية: ارتكب جريمتك، وانتظر التسوية السياسية أو التشريعية.
المشكلة الأخطر ليست في أن يُعطى المخطئ فرصة ثانية؛ المشكلة عندما يشعر المواطن الصالح أن القانون لا يحميه، وأن حق الضحية قابل للتسوية، وأن العقوبة ليست نتيجة حتمية للجريمة، بل نتيجة للظروف السياسية والانتخابية.
فماذا نقول لعائلة قُتل أحد أفرادها؟ وماذا نقول لمن خسر ابناً أو أخاً بسبب المخدرات؟ وماذا نقول لضحايا الجرائم المنظمة والاعتداءات المسلحة؟ هل يكفي أن تقول الدولة إن صفحة الماضي يجب أن تُطوى، من دون أن تسأل أولاً: وماذا عن حقوق الذين لم يتمكنوا أصلاً من طي صفحات أحزانهم؟
ثم إن إلغاء عقوبة الإعدام يطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل أصبحت منظومة العدالة في لبنان قادرة على حماية المجتمع من أخطر المجرمين بعقوبات بديلة فعالة، وبسجون إصلاحية حقيقية، وبقضاء سريع ومستقل، وبأجهزة أمنية قادرة على منع تكرار الجريمة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليُقدَّم الدليل.
أما أن تُلغى العقوبات القصوى، ويُطرح العفو العام، فيما المواطن ينتظر سنوات للحصول على حكم قضائي، والملفات تتراكم في المحاكم، والسجون تعاني من أزمات مزمنة، والجريمة تتخذ أشكالاً جديدة، فهنا لا يعود الأمر مجرد إصلاح تشريعي؛ بل يصبح سؤالاً عن هيبة الدولة نفسها.
الدولة القوية ليست الدولة التي تعاقب بأقصى العقوبات دائماً، كما أنها ليست الدولة التي تعفو دائماً. الدولة القوية هي التي تجعل الجريمة استثناءً، والقانون قاعدة، والعقوبة مؤكدة، والعدالة سريعة، وحقوق الضحايا مصانة.
أما الدولة التي تعجز عن منع الجريمة، وتعجز عن محاسبة مرتكبيها، ثم تلجأ إلى العفو، فقد تكون عملياً تنقل عجزها من الأجهزة والمؤسسات إلى النصوص القانونية.
ولذلك، قبل الاحتفال بأي قانون عفو عام، ينبغي طرح السؤال البديهي: هل انتهت الأسباب التي صنعت الجريمة حتى نعلن العفو عن نتائجها؟
وهل انتهت الحروب وآثارها؟ هل اختفى السلاح غير الشرعي؟ هل تراجعت الجريمة المنظمة؟ هل جرى تفكيك شبكات المخدرات؟ هل أصبح القضاء مستقلاً وقادراً على إصدار أحكامه وتنفيذها؟ هل أصبحت السجون مؤسسات للإصلاح لا مجرد أماكن للاحتجاز؟ وهل بات المواطن مطمئناً إلى أن الدولة ستقف إلى جانبه إذا تعرض للقتل أو السرقة أو الاعتداء؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة ليست في أن لبنان يحتاج إلى مزيد من العفو، بل في أنه يحتاج أولاً إلى مزيد من الدولة.
فالعفو من دون عدالة قد يتحول إلى إفلات من العقاب، وإلغاء العقوبة من دون بديل رادع قد يتحول إلى ضعف في الردع، والمصالحة من دون كشف الحقيقة قد تتحول إلى دفن للجرائم تحت ركام السياسة.
لبنان لا يحتاج إلى تشريعات تمنح الانطباع بأن الدولة متسامحة مع الجريمة، بقدر ما يحتاج إلى دولة تجعل المواطن متأكداً من أن القانون ليس وجهة نظر.
وفي بلدٍ عاش خمسين عاماً على وقع الدم والدمار، قد يكون السؤال الأكثر إيلاماً هو:
هل نحن أمام دولة قررت أن تنهي زمن العقوبات والعفو، أم أمام دولة لم تتمكن بعد من إنهاء زمن الجريمة؟
لأن الفرق بين الاثنين ليس تفصيلاً قانونياً.
إنه الفرق بين دولة تحمي مواطنيها، ودولة تطلب منهم أن يتعايشوا مع غيابها.







