أخبار خاصة

قانون إعادة هيكلة المصارف: الاختبار الأصعب بدأ

ناجي الخوري

في الكواليس المالية، لا يُنظر إلى إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف باعتباره نهاية الأزمة المصرفية اللبنانية، بل بوصفه لحظة الانتقال من مرحلة “إدارة الانهيار” إلى مرحلة توزيع الخسائر وإعادة بناء القطاع، وهي النقطة الأكثر حساسية في الملف كله: القانون قد يفتح الباب أمام التعافي، لكنه في الوقت نفسه سيجبر الدولة والمصارف والمودعين على مواجهة أرقام مؤجلة منذ سنوات.

مصادر وزارية مطلعة أشارت الى إن الرسالة التي تريد بيروت إرسالها إلى الخارج واضحة: لبنان لم يعد يملك ترف تأجيل إصلاح القطاع المصرفي. صندوق النقد وضع إعادة الهيكلة في صلب استراتيجية التعافي، وربطها بإعادة تكوين قطاع مصرفي قابل للحياة، قادر على استعادة الوساطة المالية وتمويل الاقتصاد، لا بمجرد إعادة ترتيب دفاتر المصارف. ففي شباط الماضي، أكد الصندوق أن استراتيجية إعادة الهيكلة يجب أن تكون قابلة للتمويل ومتوافقة مع استدامة الدين العام، مع احترام ترتيب تحمّل الخسائر، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.

لكن الوقائع تؤكد أن المعركة الحقيقية بدأت الان حيث المطلوب، اقرار قانون الفجوة المالية بسرعة، للانتقال إلى تقييم فعلي لكل مصرف، وتحديد من يستطيع الاستمرار ومن يحتاج إلى رسملة أو دمج أو خروج من السوق. وهذا يعني أن عبارة “إعادة الهيكلة” ستتحول من عنوان سياسي إلى قرارات مصرفية قاسية، بعضها قد لا يحظى بشعبية لا لدى المصارف ولا لدى المودعين.

الأجواء الرسمية المتداولة تكشف أن أحد أبرز نقاط الضغط يتمثل في العلاقة بين كلفة إعادة تكوين القطاع وبين قدرة الدولة على تحمّل أي مساهمة مالية إضافية. فصندوق النقد حذر صراحة من أن مساهمة الدولة في معالجة خسائر القطاع لا ينبغي أن تقوّض استدامة الدين العام، فيما شدد على ضرورة وجود إطار مالي متوسط الأجل يحدد قدرة الخزينة على الإنفاق والإيرادات وإعادة هيكلة الدين.

هنا تتقاطع قصة المصارف مع خطة النهوض الاقتصادي. فلا يمكن إطلاق استثمارات أو إعادة إعمار أو تمويل مؤسسات صغيرة ومتوسطة على نطاق واسع من دون جهاز مصرفي قادر على منح الائتمان، اذ أن الاقتصاد اللبناني يعمل منذ سنوات في ظل اقتصاد نقدي متضخم، نتيجة فقدان الثقة بالنظام المصرفي، فيما صندوق النقد نفسه اعتبر أن إعادة تأهيل المصارف شرط للابتعاد عن الاقتصاد النقدي وإعادة إطلاق الائتمان للقطاع الخاص.

لكن المصارف اللبنانية ستدخل مرحلة مختلفة تماماً. فالمصرف الذي كان يستطيع، في السابق، الاعتماد على حجم ميزانيته وشبكة فروعه وودائعه، سيجد نفسه أمام متطلبات رسملة وسيولة وحوكمة ورقابة أكثر تشدداً، ولن يكون بالتالي ممكناً، وفق المنطق الإصلاحي الجديد، إبقاء مصارف غير قابلة للحياة على قيد التشغيل فقط لتجنب الاعتراف بالخسائر.

في المقابل، تخشى مصادر مصرفية من أن يؤدي التطبيق المتشدد والسريع إلى انكماش مصرفي إضافي، إذا لم تتوافر في موازاته أدوات واضحة لإعادة الرسملة وتأمين السيولة. لذلك فإن الاختبار سيكون في “التدرج”: كيف يُعاد بناء القطاع من دون خنق الاقتصاد الذي يحتاج أصلاً إلى التمويل؟

أما بالنسبة إلى صندوق النقد، فإقرار القانون شكل ورقة قوية في المفاوضات، لكنه لن يكون “تذكرة عبور”، فالصندوق كان واضحاً منذ 2022 في اعتبار استراتيجية إعادة هيكلة المصارف، وتشريع حل المصارف، وتقييم المصارف الكبرى، من المتطلبات الأساسية لإعادة بناء القطاع، قبل ان يعود ويؤكد في 2026 أن تعديلات قانون معالجة المصارف يجب أن تضمن عملية مستقلة وشفافة وفعالة ومتوافقة مع المعايير الدولية.
المعادلة إذاً أبعد من قانون مصرفي. لبنان يقترب من لحظة يجب فيها أن يثبت أن الإصلاح ليس مجرد نصوص تُرسل إلى صندوق النقد، بل عملية فعلية لإعادة توزيع الخسائر، تنظيف ميزانيات المصارف، حماية المودعين ضمن الإمكانات المتاحة، وإعادة الدولة إلى مسار مالي قابل للاستمرار.

الأهم أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر صعوبة من مرحلة إقرار القانون نفسها. فالتصويت ينهي معركة سياسية، لكنه يفتح معركة الأرقام: من يدفع؟ كم يدفع؟ ومن يخرج من القطاع؟ وكيف تعود الودائع إلى أصحابها؟

عند هذه الأسئلة تحديداً ستظهر جدية خطة النهوض الاقتصادي، وسيتحدد ما إذا كان لبنان يتجه فعلاً إلى إعادة بناء نظامه المالي، أم يكتفي بإعادة تدوير الأزمة تحت عناوين جديدة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *