تكشف موجات الحر والعواصف والحرائق هذا الصيف فاتورة اقتصادية متصاعدة، بعدما بدأت تضرب الكهرباء والإنتاجية والأعمال، وتهدد النمو والإيرادات العامة في اقتصادات كبرى.
في أوائل حزيران، انقطعت الكهرباء عن مخبز ستيفاني هارت في الجانب الجنوبي من شيكاغو، خلال عاصفة شديدة وموجة حر خانقة، لهذا السبب، تلفت 500 قطعة من الآيس كريم كانت مخصصة لأحد زبائن المطعم، بالإضافة إلى قطع الشوكولاتة، وتعرضت كعكات بقيمة 30 ألف دولار في مجمدها للخطر.
وسارعت هارت بتوجيه موظفيها لملء المجمد بالثلج الجاف، بتكلفة 1700 دولار، حتى أعادت شركة الكهرباء التيار في اليوم التالي، وتم إنقاذ الكعكات.
وشعرت هارت بالارتياح، لكنها لا تزال قلقة، فانقطاعات الكهرباء التي أعقبت عواصف صيفية متكررة في شيكاغو قد تقضي على مخزونها.
لذا، أصبحت تُعدّ المزيد من الكعكات حسب الطلب، مما يعني تأخرًا في التسليم وعملًا متقطعًا، حتى إنها بدأت تفكر في شراء مولد كهربائي احتياطي باهظ الثمن للصيف المقبل.
وقالت هارت، “لقد كان ذلك ضغطًا كبيرًا، ولا أحد يعلم إن كنت سأتمكن من تكراره، الكعك ليس مناسبًا للظروف الجوية القاسية”.
كيف يعتبر هذا مثالا بسيطا على أزمة كبيرة؟
ووفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، يمكن تخيل هذا المثال وهذه التكلفة مضروبة في آلاف لفهم كيف كان صيف هذا العام في شيكاغو وحدها محبطا ومسببا لخسائر فادحة للشركات في أنحاء الولايات المتحدة، التي تعتبر جزءا من كوكب كامل يعاني من تقلبات مناخية قاسية.
بخلاف درجات الحرارة، تسببت الأمطار الغزيرة مرارًا وتكرارًا في انقطاع خطوط الكهرباء، مما أدى إلى انهيار شبكة كهربائية مُرهقة أصلًا بسبب الحاجة المُلحة لأجهزة التكييف.
هذه الأعطال أدت إلى خسائر تقدر بملايين، تكبدتها الشركات والأسر حول العالم جراء هذا الصيف القاسي من حرارة وحرائق ودخان وعواصف.
وكان شهر تموز الماضي هو الشهر الأشد حرارة على الإطلاق في الولايات المتحدة، وفقًا لبيانات فيدرالية، وشهدت أوروبا الغربية أعلى متوسط حرارة مسجل على الإطلاق خلال شهري حزيران وتموز.
ولطالما درس الاقتصاديون التأثير المتفاقم لتغير المناخ على النمو الاقتصادي والتضخم والتوظيف. ومعظم التقديرات للأضرار التي لحقت بالبيئة حتى الآن كانت معتدلة، في حين أصبحت التوقعات للأضرار على المدى البعيد أكثر حدة. لكن العام الماضي شهد صدمات مناخية بات من المستحيل على الشركات تجنبها.
ارتفاع التكاليف.. انخفاض الدخل
وبالنظر إلى آثار الحرارة بمعزل عن حرائق الغابات والعواصف المصاحبة لها، حللت شركة أليانز للأبحاث، التابعة لشركة التأمين العالمية التي تحمل الاسم نفسه، الأثر الاقتصادي المحتمل خلال السنوات الخمس المقبلة إذا ما تكررت فيها نفس وتيرة السنوات الخمس الأشد حرارة من 2014 إلى 2024.
وقالت إنه سيقل الناتج الاقتصادي للدول الأكثر تضررًا، بما فيها فرنسا واليابان وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، بنسبة تتراوح بين 5 و7% عن معدلاته المتوقعة بحلول عام 2030.
كما أن هناك تبعات مالية خطيرة، فالحرارة تؤثر سلبًا على الإيرادات الضريبية نتيجة انخفاض الإنتاج والاستهلاك، وتتطلب إنفاقًا أكبر على البنية التحتية المتضررة.
ووجد معدّو أليانز للأبحاث، في جميع أنحاء أوروبا، أن العجز الحكومي السنوي سيرتفع بنسبة 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مما قد يُزعزع استقرار ديون الدول الأكثر تضررًا.
ومن المرجح أن يكون هذا التوقع متحفظًا، وقال حازم كريشين، الخبير الاقتصادي في مجال المناخ لدى شركة أليانز للأبحاث، الذي بدأ العمل على المشروع في خريف العام الماضي، “عندما طرحتُ هذا السيناريو، قال البعض: ‘أنت تعتمد على أعلى 5 موجات حرّ خلال السنوات العشر الماضية، وهذا سيناريو متشائم بعض الشيء’. لكنّ درجات الحرارة المتوقعة في عام 2026 ستتجاوز ذلك بالفعل”.
كيف يؤثر الحر على اقتصادات الدول؟
ويؤثر الحرّ على الاقتصادات من خلال قناتين رئيسيتين، الأولى هي تكاليف الطاقة. فجميع أشكال توليد الكهرباء تقريبًا – الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والسدود، وتوربينات الغاز – تعمل بكفاءة أقل في درجات الحرارة المرتفعة للغاية.
في الوقت نفسه، خارج الدول الواقعة في أقصى الشمال، يزداد الطلب على الطاقة مع زيادة استخدام أجهزة التكييف في المنازل والشركات. ويؤدي هذان العاملان إلى ارتفاع الأسعار وزيادة خطر انقطاع التيار الكهربائي.
القناة الثانية هي الإنتاجية، إذ تضطر مواقع البناء إلى تقليص ساعات العمل، وعندما تتعطل المدارس ومراكز رعاية الأطفال، لا يستطيع الآباء الوصول إلى وظائفهم.



