في خطاب شهير للخميني في أيلول 1979، قال مؤسس الثورة الإيرانية إنه لا يتصور أن يصدق عاقل “أننا ضحينا بدمائنا من أجل أن يصبح سعر الشمام أرخص”، شارحاً أن أولئك الذين يرون في الاقتصاد أساس كل شيء “ينظرون إلى الإنسان باعتباره حيواناً… لا شأن له إلا الأكل والشرب. الحيوان يضحي بكل شيء من أجل اقتصاده. الاقتصاد هو أساس كل شيء بالنسبة للحمار”.
بعد نحو 47 عاماً على ذلك التصريح، يبدو أن قدرة النظام الذي أسسه الخميني على تحمل الضغط الاقتصادي غير المسبوق الذي تفرضه الولايات المتحدة قد تقرر مسار الحرب الدائرة بين البلدين.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح في تصريح لـ “أكسيوس” يوم الأحد أنه يفضل أن يعمل على خنق طهران اقتصادياً بواسطة الحصار البحري الذي يمنع تصدير النفط الإيراني أكثر من التصعيد عسكرياً في الوقت الحالي. ثم أضاف بلغة اللاعب الواثق: “الأمور ستُحلّ، دائماً تُحلّ، الأمر أشبه بلعبة شطرنج”.
يطالب ترامب إيران بإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز بلا شروط وبدون مقابل، وهو ما يرفضه النظام الإيراني الذي يحاول انتزاع مكاسب سياسية ومالية فورية قبل الدخول في مزيد من المفاوضات.
يعكس الموقف الإيراني أيضاً رغبة في رفع كلفة الانتظار على ترامب والحزب الجمهوري قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفية للكونغرس. فإبقاء هرمز مغلقاً أمام الجميع قد يعني مزيداً من الارتفاع في أسعار الوقود للناخب الأميركي، ما قد يدفع الرئيس لتقديم تنازلات معتبرة لطهران لتفادي هزيمة حزبه، أو المخاطرة بإمكانية خسارة الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، وتقويض أجندته السياسية والاقتصادية.
إنها “لعبة من يرمش أولاً” بحسب آبهي راجندران رئيس قسم أبحاث أسواق النفط العالمية في “إنرجي إنتليجنس” (Energy Intelligence)، الذي أضاف في حديث مع محمد فتحي عبر برنامج “جلسة المساء” على “الشرق بلومبرغ”: “كل طرف يستنزف صبر الآخر. هذا هو الوضع. يبدو أنه لا يوجد أي شيء نفعله سوى الانتظار”.
رهان ترمب على انهيار الاقتصاد الإيراني
لا يبدو رهان ترامب في غير محله. فالاقتصاد الإيراني يقف على حافة الانهيار. إذ يرى همايون فلكشاهي، كبير محللي أسواق النفط في “كبلر” أن الحصار الأميركي بدأ بالفعل في تضييق الخناق على صادرات النفط الإيرانية للصين، والتي تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة للبلاد.
وقال فلكشاهي لـ”الشرق بلومبرغ” إن البيانات تشير إلى أن كميات النفط الإيراني التي تم تكريرها في المصافي الصينية تراجعت خلال الشهرين الماضيين لتبلغ نحو 815 ألف برميل في المتوسط في تموز، مقارنة مع أكثر من 1.36 مليون برميل يومياً في شهر ~أيار، لكنه أوضح أن “هذه الكميات كانت موجودة بالفعل خارج منطقة الحصار. لذلك، فإن الحصار يقيّد الصادرات المستقبلية”.
يعني ذلك، أن استمرار الحصار يستنزف كميات النفط الإيراني الواقعة خارج مضيق هرمز. بمعنى آخر: الوقت يداهم إيران. فإذا استمر الحصار لفترة كافية، ستصل إلى مرحلة لا يعود لديها فيها نفط متاح لبيعه إلى الصين.
طعام غائب عن الموائد
يضرب الحصار اقتصاداً كان يعاني قبل الحرب من أزمة خانقة دفعت مئات الآلاف للتظاهر في الشوارع، وهو ما قابلته قوات الأمن الإيرانية بحملة من القمع أودت بحياة الآلاف، بحسب تقارير لهئيات حقوقية.
بيانات التضخم الأخيرة أظهرت قفزة من 68% في شباط، الشهر السابق لاندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلى قرابة الـ 80% في أيار.
التضخم لم يعد رقماً في تقرير، بل صار طعاماً غائباً عن الموائد، إذ قال مركز الإحصاء إن أسعار الغذاء خلال الشهر الإيراني المنتهي في 21 حزيرانزادت بأكثر من الضعف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إذ ارتفعت أسعار الخبز والحبوب 138.8%، واللحوم الحمراء والدواجن 178.2%.
حتى العملة صارت سلاحاً دعائياً، إذ نشر ترمب رسماً بيانياً عنوانه “إيران لا تملك مالاً” يُظهر هبوط قيمة المليون ريال من نحو 1.11 دولار مطلع 2025 إلى نحو 0.53 دولار في الربع الثالث من 2026، مذيّلاً إياه بعبارة “العملة عبارة عن قمامة” و”51 عاماً من السلوك السيّئ”.
لكن طهران تملك خبرة في تحمّل عقود من العقوبات الاقتصادية، ومن بينها إجرءات أقرّها ترامب نفسه خلال ولايته الأولى، أدت إلى انهيار صادرات النفط الإيرانية بنحو 80% بين نيسان 2018 وتشرين الأول 2019، بحسب تقرير للكونغرس.
كما يعتمد النظام على قدرته على استخدام القوة لسحق أي تمرد أو مظاهرات داخلية، وهو ما لجأ إليه أكثر من مرة خلال العقدين الماضيين في مواجهة حركات احتجاج شعبية ضد تزييف الانتخابات أو سوء الأحوال المعيشية.
لا يعني ذلك أن للنظام قدرة لا نهائية على التحمل، حيث يظهر تاريخ الصراع السياسي مع واشنطن ميل الحكومة إلى التفاوض وتقديم بعض التنازلات، من بينها قبول التفاوض مع إدارة باراك أوباما، وهو ما أدى في النهاية إلى ابرام اتفاق حول برنامج إيران النووي عام 2015.
ضغوط على ترامب أيضاً
في المقابل، يجمع عدد كبير من المحللين أن ترامب يحاول إنهاء الصراع بتسوية سياسية تحفظ ماء وجهه دولياً وداخلياً، قبل انتخابات الكونغرس التي يواجه فيها حزبه الجمهوري خطر خسارة الأغلبية في مجلسي النوّاب والشيوخ.
ومع اقتراب موعد الانتخابات في تشرين الثاني، بدأ الرئيس في تكثيف هجومه على مرشحي الحزب الديموقراطي، فنشر صورة تجمعه وزوجته ميلانيا في مقابل صورة لعبد الرحمن السيّد، المرشح الديمقراطي اليساري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وزوجته المحجبة، وكتب تحتها: “أميركتان مختلفتان للغاية” في إشارة إلى جذور السيّد المصرية والملابس المحافظة لزوجته.
لم يكن رد السيّد على تدوينة ترامب منفصلاً عمّا يدور في ذهن الشارع الأميركي. أقرّ السيد بأن ترامب محقّ بوجود نسختين من أميركا، لكنه أدار النقاش إلى الفرق بين الطبقة الاقتصادية التي ينتمي إليها الرئيس وزوجته، وبين الغالبية العظمى من الأميركيين، قائلاً: “أنتم الآن تعيشون رؤية دونالد ترامب. هل تستطيعون تحمّل كلفة الوقود؟ هل تستطيعون تحمّل كلفة البقالة؟ حين تنظرون في عيون أطفالكم، هل تصدّقون أنهم سيحظون بمستقبل أفضل من مستقبلكم؟”.
فالرئيس الذي وعد باقتصاد مزدهر وطاقة رخيصة يواجه اليوم أدنى تقييم اقتصادي في تاريخه السياسي، خاصة وأن صدمة الطاقة المترتبة على حرب إيران جاءت بعد عدة صدمات متتالية من بينها الارتفاع الحاد في الأسعار نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا ثم الحرب التجارية التي شنها ترمب في بداية ولايته الثانية.
ترامب يتراجع في استطلاعات الرأي
أظهر مؤشر كلفة طاقة حرب إيران، الذي طوّره باحثو “جامعة براون” بقيادة جيف كولغان مدير مختبر حلول المناخ لرصد الكلفة الإضافية على البنزين والديزل منذ 28 شباط، أن الأسرة الواحدة تحمّلت أكثر من 600 دولار.
يقارن المؤشر الأسعار الفعلية بما كانت ستكون عليه لولا الحرب، فيتحوّل بذلك إلى ما يشبه ضريبة خفية تفرضها الحرب على كل بيت أميركي، مع تجاوز أسعار البنزين أربعة دولارات للغالون.
هذا الثمن هو ما بدأ يقضم قاعدة ترمب نفسها. فتأييد تعامله مع حرب إيران تراجع بين الجمهوريين من 71% إلى 61% منذ حزيران، ولم يعد سوى 48% منهم يرون وجوب مواصلة العمل العسكري.
ذاكرة الألم
على المستوى الوطني، لا يوافق سوى 28% من الأميركيين على إدارته للملف الإيراني وفق استطلاع “إيه بي-نورك”، فيما يرى الثلثان أن الحرب لم تكن تستحق الخوض.
والأخطر انتخابياً أن استطلاع “رويترز/إبسوس” في الرابع من أغسطس أظهر تقدّم الديمقراطيين على الجمهوريين في إدارة الاقتصاد لأول مرة منذ نحو عقد، وهي مقارنة كان الجمهوريون يكسبونها دائماً.جورج إليوت موريس، وهو خبير أميركي في استطلاعات الرأي والانتخابات، رأى أن الناخبين قد يعاقبون ترمب والجمهوريين على التضخم حتى لو تراجعت أسعار البنزين إلى حد ما قبل الانتخابات.
وأضاف شارحاً خلال حديث مع الاقتصادي الحائز على جائزة “نوبل” بول كروغمان: “ما يبدو أن الناس يتفاعلون معه فعلاً هو الألم، ثم يحتفظون بذاكرة ذلك الألم، حتى لو توقّفت الأسعار عن الارتفاع بالمعدّل نفسه الذي كانت عليه، أو حتى لو عادت للانخفاض. هذا يخلق انطباعاً سلبياً في ذهن الجمهور تجاه الشخص المسؤول عن منع حدوث هذه الأمور السيئة من الأساس”.
ساعتان مختلفتان
قد يبدو جوهر المبارزة بين واشنطن وطهران غير متكافئ. فما هو على المحك بالنسبة لترامب أقل مادياً بكثير بما قد تخسره إيران. ومع ذلك، تبقى الساعتان تدقّان معاً: ساعة انتخابية أميركية تقترب من الثالث من نوفمبر، وساعة اقتصادية إيرانية تقترب من الانفجار.





