أخبار اقتصاديةأخبار خاصة

تراجع تحويلات المغتربين يربك حسابات الدولة والأسواق

ناجي الخوري

لم يمرّ الرقم الوارد في التقرير السنوي لمصرف لبنان لعام 2025 مرور الكرام داخل الدوائر المالية والرسمية. فالانخفاض في تحويلات المغتربين من 6.8 مليارات دولار عام 2024 إلى نحو 6.3 مليارات دولار في 2025، لا يُقرأ، وفق مصادر وزارية، بوصفه مجرد تراجع إحصائي، بل كمؤشر يحمل في طياته تبدلاً أعمق في سلوك المغترب اللبناني وفي المزاج الاقتصادي الخارجي تجاه لبنان.

وتكشف مصادر وزارية مطلعة أن هذا الملف حضر في أكثر من اجتماع اقتصادي خلال الأسابيع الماضية، بعدما طُرح سؤال أساسي: إذا كانت تحويلات المغتربين شكّلت طوال سنوات الانهيار صمام الأمان الذي أبقى الاستهلاك الداخلي قائماً، فمن سيملأ هذا الفراغ إذا استمر المنحى التراجعي؟

وبحسب المصادر يتركز النقاش حول أسباب هذا التراجع وما إذا كان يعكس تحولاً طويل الأمد، مضيفة، أن أحد الملفات التي يدور النقاش حولها يتعلق بتراجع ثقة جزء من المغتربين بالبيئة الاستثمارية اللبنانية، مقابل انتقال قسم من التحويلات إلى قنوات مخصصة للاستثمار أو الادخار في دول الإقامة بدلاً من إرسالها للاستهلاك داخل لبنان.

غير أن المفاجأة، وفق أوساط متابعة، تمثلت في وجود تباين داخل الجهات الرسمية حول تفسير هذا الانخفاض. فبينما اعتبر فريق أن التراجع يبقى محدوداً نسبياً ويمكن ربطه بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، والازمة في دول الخليج على خلفية الحرب الاميركية – الايرانية، وارتفاع كلفة المعيشة في دول الاغتراب، رأى فريق آخر أن المسألة تتجاوز الظرف المالي، وتعكس بداية تبدل في العلاقة الاقتصادية بين المغترب وبلده الأم، بعدما استنزفت سنوات الأزمة قدرة كثيرين على الاستمرار في ضخ الأموال بالمستويات نفسها.

وتقول المصادر إن نقطة الضغط الأساسية لم تكن مرتبطة فقط بخسارة نحو نصف مليار دولار من التدفقات، بل بما يمثله هذا الرقم على مستوى الدورة الاقتصادية. فهذه الأموال كانت تتحول مباشرة إلى إنفاق استهلاكي، وتمويل أقساط مدرسية وجامعية، وتسديد نفقات استشفائية وإيجارات، فضلاً عن دعم آلاف المؤسسات الصغيرة التي تعتمد بصورة غير مباشرة على القدرة الشرائية للعائلات المستفيدة من تحويلات أقاربها في الخارج.

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. إذ إن تراجع التحويلات يعني تلقائياً انخفاض حجم العملات الأجنبية المتدفقة إلى الأسواق، وهو ما ينعكس على حركة التجارة والاستهلاك والسيولة، حتى وإن بقيت احتياطيات النقد الأجنبي بمنأى عن تأثير مباشر في المدى القصير. وتلفت مصادر مالية إلى أن السوق اللبنانية اعتادت خلال السنوات الأخيرة اعتبار تحويلات المغتربين بديلاً عملياً عن غياب الاستثمارات الخارجية وتراجع القروض والتدفقات الرأسمالية، ما جعل أي اهتزاز فيها يترك أثراً مضاعفاً.

وتشير أوساط اقتصادية إلى أن المؤشرات الميدانية بدأت تعكس هذا الواقع تدريجياً. فالحركة التجارية في عدد من القطاعات لم تعد تستفيد من الزخم الذي كانت توفره مواسم التحويلات، كما أن المؤسسات التي كانت تراهن على الإنفاق العائلي الممول من الخارج باتت تتحدث عن دورة مالية أكثر بطئاً، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القدرة الشرائية للمقيمين.

وتكشف مصادر وزارية أن بعض المقترحات التي نوقشت في الكواليس تناولت ضرورة الانتقال من نموذج يعتمد على تحويلات الاستهلاك إلى نموذج يستقطب تحويلات استثمارية منتجة، عبر حوافز ضريبية وتشريعات تضمن حماية الرساميل، إلا أن الخلاف ظهر سريعاً حول الأولويات، إذ اعتبر بعض المشاركين أن استعادة الثقة بالمؤسسات والإصلاحات تبقى الشرط الأول قبل إطلاق أي مبادرة موجهة إلى المغتربين.

ولا تستبعد المصادر أن يتحول هذا الملف إلى أحد العناوين الأساسية في النقاشات الاقتصادية المقبلة، خصوصاً أن تراجع التحويلات يتزامن مع استمرار الحاجة إلى العملات الأجنبية، ومع تباطؤ قدرة الاقتصاد على توليد موارد جديدة. فالمشكلة، بحسب المصادر نفسها، لا تكمن في خسارة نصف مليار دولار خلال عام واحد فحسب، بل في احتمال أن يكون هذا الرقم بداية مسار جديد إذا لم تتوافر عوامل تعيد وصل المغترب اللبناني باقتصاد بلده على أسس أكثر استدامة.

في الكواليس، يختصر أحد المشاركين في تلك الاجتماعات المشهد بعبارة لافتة: “لبنان لم يخسر أموالاً فقط، بل بدأ يختبر للمرة الأولى احتمال تراجع الرهان على المغترب كشبكة أمان دائمة”. وإذا صح هذا التقدير، فإن الاقتصاد اللبناني سيكون أمام تحدٍّ مختلف، عنوانه البحث عن مصادر نمو حقيقية، بعدما باتت الرئة التي أبقته على قيد الحياة طوال سنوات الأزمة ترسل إشارات إنهاك لا يمكن تجاهلها.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *