أخبار اقتصادية

قصة الفتى الذهبي الذي أضاع صندوق تحوط للذكاء الاصطناعي بقيمة 45 مليار دولار

قبل عامين، زعم ليوبولد أشينبرينر أنه واحد من قلة قليلة في العالم يمتلكون رؤية واضحة للمستقبل، تنبأ بتفوق الذكاء الاصطناعي وترأس صندوقاً يدير أصولاً ضخمة، قبل أن يتجه نحو الخسارة ويهز عالم الأعمال في وول ستريت.

في مقال مطول ومفصل يقع في 165 صفحة، والذي تحول إلى مادة للقراءة الإلزامية في أوساط وادي السيليكون،  قدّم الباحث السابق في شركة أوبن إيه آي OpenAI نفسه كنوع من “النبي” لعصر الذكاء الاصطناعي الفائق القادم.

لكن هذا الأسبوع، تكشفت حدود رؤية أشينبرينر عندما اصطدم صندوق التحوط الذي يديره، والمتخصص في الذكاء الاصطناعي ويحمل اسم “الوعي الظرفي” Situational Awareness، وهو أيضاً عنوان بيانه الشهير الذي انتشر على نطاق واسع في يونيو 2024، بالواقع القاسي المتمثل في انهيار أسهم أشباه الموصلات ومطالبات تغطية الهامش في وول ستريت، وفق تقرير لشبكة CNBC.

في ذروة أدائه في وقت سابق من هذا الشهر، كان الصندوق يدير أصولاً بقيمة 45 مليار دولار. ومع ذلك، وبحلول يوم الخميس، وبعد اضطراره للتخلص من جميع رهاناته على الأسهم المعتمدة على الرافعة المالية (بما في ذلك أسهم شركات تضررت بشدة مثل إس كيه هاينكس SK Hynks وكورويف Corewave وبيعها بأسعار مخفضة لصندوق سيتاديل المملوك لكين غريفين انخفضت حيازات الصندوق إلى حوالي 10 مليارات دولار، وذلك وفقاً لأشخاص مطلعين على الوضع.

أثارت قصة الصعود الصاروخي لأشينبرينر وسقوطه المفاجئ اهتمام كل من وول ستريت ودوائر التكنولوجيا، مما جعله أبرز ضحية حتى الآن لحالة التقلب المصاحبة للطفرة الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي.

يُعد أشينبرينر شخصية مثيرة للجدل؛ فقد نظر إليه متابعوه عبر الإنترنت، وهو الذي تخرج متصدراً دفعته في جامعة كولومبيا في سن التاسعة عشرة- باعتباره عبقرياً يدرك ملامح “الشيء الكبير القادم”، وكانوا يتابعون الإفصاحات الربع سنوية لصندوقه بحثاً عن مؤشرات حول الأسهم الواعدة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

مكاسب ما قبل السقوط

وقبل التراجع الذي حدث هذا الشهر، كان صندوق “الوعي الظرفي” قد حقق مكاسب تجاوزت 1000% منذ تأسيسه، حسبما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال الشهر الماضي، مشيرةً إلى أن عمر أشينبرينر لا يتجاوز 24 عاماً.

في غضون ذلك، أشار منتقدون إلى أن أشنبرينر لم تكن لديه خبرة سابقة في إدارة الأموال قبل إطلاق صندوقه في يوليو 2024، واصفين إياه بأنه شخص حالفه الحظ أكثر مما يتمتع بالذكاء. ولفت البعض إلى أن خبرته العملية المبكرة كانت في شركة العملات المشفرة المنهارة FTX، حيث ساعد المؤسس سام بانكمان-فريد، الذي سقطت سمعته لاحقاً، في إدارة مؤسسة خيرية انطلاقاً من شقة فاخرة في جزر البهاما.

كما أشار آخرون في وول ستريت، بمن فيهم متداولون سابقون في بنوك استثمارية عالمية، إلى أن الانهيار لم يكن مفاجئاً بالنظر إلى التقارير التي أفادت بأن صندوق Situational Awareness استخدم رافعة مالية وصلت إلى 400%.

وقال جيري دياو، الذي يدير شركة لتقديم الاستشارات والتدريب في وول ستريت: “اعتبر الكثيرون أن هذا الانهيار مسألة وقت لا أكثر، وليس احتمالاً بعيداً”. وأضاف: “ربما تكون رؤيته بشأن الذكاء الاصطناعي صحيحة على المدى الطويل، لكن في الأسواق العامة، يجب أن تكون مستعداً للتعامل مع تقلبات المدى القصير”.

ولم يستجب صندوق التحوط لطلب التعليق الذي قدمته شبكة CNBC.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، وقبل إتمام عملية البيع لشركة سيتاديل Citadel، كان نحو ثلثي حيازات صندوق Situational Awareness موزعة بين مراكز شراء ومراكز بيع على المكشوف في الأسهم العامة، وذلك وفقاً لأحد المصادر. وأوضح المصدر أن بقية الحيازات كانت عبارة عن حصص في شركات خاصة، تصدرتها استثمار بمليارات الدولارات في شركة أنثروبيك Anthropic.

وتحدثت مصادر CNBC شريطة عدم الكشف عن هويتها لمناقشة تفاصيل غير معلنة.

وتزامن الانهيار الوشيك لصندوق Situational Awareness مع موعد حفل زفاف مدير الصندوق المقرر إقامته في عطلة نهاية هذا الأسبوع، حسبما أفادت مصادر لديفيد فابر، مراسل CNBC. 

يذكر أن أشنبرينر خطيب أفيتال بالويت، التي تشغل منصب رئيسة الموظفين لدى داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، وذلك وفقاً لتقرير نشرته مجلة فورتشن Fortune.

الغرابة وصعوبة المراس

وُلد آشنبرينر في ألمانيا لأبوين يعملان في مجال الطب قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة، وقد أظهر منذ وقت مبكر استعداداً وتفوقاً في الرياضيات وعلوم الحاسوب، وذلك وفقاً لما ورد في تقارير ومقابلات أجريت معه في برامج البودكاست.

لقد تجاوز عدة صفوف دراسية في النظام التعليمي الألماني وتخرج من المدرسة الثانوية وهو في الخامسة عشرة من عمره، كما لفت الأنظار خلال دراسته الجامعية في جامعة كولومبيا بفضل ورقة بحثية أكاديمية حملت عنوان “المخاطر الوجودية والنمو” Existential Risk and Growth.

وذكرت صوفيا مونترون، وهي زميلة له في جامعة كولومبيا، أنها لم تكن قد سمعت عن آشنبرينر قبل أن تلتقي به عبر تطبيق “زوم”  قبيل تخرجهما عام 2021.

وقالت مونترون لشبكة CNBC: “لم يكن الأمر وكأنه أمير يبرز فجأة من بين طلاب الجامعة؛ لقد كان مجرد شخص عادي”.

وخلال ذلك اللقاء، رأت مونترون، التي كانت الثانية على دفعتها، أن زميلها يتصرف “كالأطفال” ويفتقر إلى المهارات الاجتماعية السلسة.

وفي وقت لاحق، صرح آشنبرينر بأن شخصيته، أو ما وصفه بـ “الغرابة” الفكرية و”صعوبة المراس” (أو الميل للمخالفة في الرأي)، كانت تُقابل بالاستهجان أو العقاب في الثقافة الألمانية، لكنه أصبح ينظر إليها لاحقاً باعتبارها مصدر تميزه وقوته.

وأثناء دراسته في كولومبيا، شارك في تأسيس فرع الجامعة لحركة “الإيثار الفعال” Effective Altruism، وهي فلسفة تحظى بشعبية في بعض الأوساط التقنية وتدعو المؤسسين إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح المالية بهدف مساعدة البشرية.

شكلت تلك الشبكة مساراً مهنياً له، حيث قادته في النهاية للعمل مع شخصية أخرى تتبنى مبادئ “الإيثار الفعال” -وهو بانكمان-فريد- وذلك بعد تخرجه عام 2021. وقد عمل لفترة في “صندوق المستقبل”، وهو الذراع الخيري لشركة إف تي إكس FTX، وذلك قبل انهيار شركة العملات المشفرة تلك.

في عام 2023، انضم أشينبرينر إلى فريق “المحاذاة الفائقة” في شركة OpenAI، حيث عمل تحت إشراف إيليا سوتسكيفر على معالجة مسألة ضمان توافق الذكاء الاصطناعي مع المصالح البشرية. وعقب اختراق أحد القراصنة للأنظمة الداخلية للشركة، أعد أشينبرينر مذكرة موجهة إلى مجلس الإدارة حذر فيها من أن التدابير الأمنية للشركة لم تكن كافية للتصدي لأنشطة التجسس الأجنبي، مشيراً تحديداً إلى الصين.

وفي عام 2024، أنهت الشركة خدمات أشينبرينر بعد اتهامه بمشاركة معلومات سرية بطريقة غير سليمة؛ وهو اتهام طعن فيه المعنيّ، مؤكداً أن هدفه كان إثارة المخاوف بشأن الممارسات الأمنية المتبعة في الشركة.

وفي هذا السياق، صرح سكوت آرونسون، وهو عالم حاسوب يعمل حالياً في جامعة تكساس في أوستن وسبق له العمل في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي لدى OpenAI، لشبكة CNBC هذا الأسبوع عبر البريد الإلكتروني قائلاً: “لقد كانت تربطني علاقة طيبة بليوبولد أثناء عمله في OpenAI”.

وأضاف: “لقد شعرت بالأسف لطرده بسبب مشاركته معلومات بطريقة لم تحظَ بموافقة الإدارة”، مشيراً إلى أن الأمر “بدا وكأنه كان يحاول فعل الصواب، غير أن رد فعل الشركة كان مبالغاً فيه”.

من جانبه، رفض متحدث باسم OpenAI التعليق، وأحال الأمر إلى تصريحات سابقة للشركة أوضحت فيها عدم اتفاقها مع العديد من المزاعم التي طرحها أشينبرينر.

مستثمرون من شركتي Stripe وGitHub

بعد أسابيع من مغادرته شركة OpenAI، حوّل أشنبرينر تجربته القصيرة في هذه الشركة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى رؤية شاملة لمسار الذكاء الاصطناعي ومستقبل العالم.

وقد ناقش في مقالٍ نشره في يونيو 2024 بأن “الذكاء الاصطناعي العام” قد يتحقق في غضون سنوات، وأن الحكومات تسيء بشدة تقدير وتيرة هذا التقدم.

ورأى المعجبون في ذلك دليلاً على أن أشنبرينر موهبة استثنائية تمتلك رؤية ثاقبة لمسار تطور الذكاء الاصطناعي، في حين اعتبره النقاد مبالغاً فيه؛ سواء فيما يتعلق بالقدرات التقنية على المدى القريب أو بمدى يقينه بشأن المستقبل.

وبحلول يوليو من العام نفسه، استثمر أشنبرينر شهرته المتنامية لجذب رأس مال أولي لصندوق التحوط الخاص به، حيث جمع مبلغاً قُدّر بـ 225 مليون دولار من باتريك وجون كوليسون (مؤسسي شركة Stripe)، ونات فريدمان (الرئيس التنفيذي السابق لشركة GitHub)، والمستثمر دانيال غروس.

كانت تلك بداية لمسيرة استمرت عامين، لم تشهد وول ستريت مثيلاً لها في الآونة الأخيرة.

كتب “أشنبرينر” آنذاك: “سوف يستيقظ العالم عما قريب”، مضيفاً أن بضع مئات فقط من الأشخاص في مجتمع الذكاء الاصطناعي يدركون ما هو قادم.

وتابع قائلاً: “إذا كانت رؤيتهم للمستقبل صحيحة ولو جزئياً، فنحن مقبلون على رحلة عاصفة ومثيرة”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *