صحة

طفرة جينية تكشف آليات جديدة وراء اعتلال عضلة القلب

كشف علماء عن آليات جزيئية جديدة قد تفسر كيفية إسهام بعض الطفرات الجينية الموروثة في الإصابة باعتلال عضلة القلب الضخامي، وهو مرض يؤدي في بعض الحالات إلى اضطرابات خطيرة في نظم القلب أو الوفاة القلبية المفاجئة.

وحلل باحثون من جامعات برمنغهام وأكسفورد ونوتنغهام، إلى جانب مركز أبحاث هارويل في بريطانيا، 17 تغيرًا جينيًا في بروتين “ألفا أكتينين-2” (ACTN2)، المرتبط بوظائف أساسية داخل خلايا عضلة القلب.

وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية (Nature Communications)، أن هذه التغيرات قد تؤثر في البروتين بطرق مختلفة، من بينها تقليل استقراره، أو دفعه إلى التكتل، أو تغيير قدرته على الارتباط بخيوط الأكتين داخل خلايا القلب.

وقال الباحثون إن الطفرات المرتبطة بالمرض لا تعمل جميعها بالطريقة نفسها، إذ يمكن أن تعطل بنية البروتين أو وظائفه عبر آليات جزيئية متعددة.

أعراض غير واضحة
ويُعد اعتلال عضلة القلب الضخامي مرضًا وراثيًا تصبح فيه عضلة القلب، وخصوصًا جدار البطين الأيسر، أكثر سماكة من المعتاد. وقد تؤثر هذه السماكة في قدرة القلب على الامتلاء بالدم أو ضخه، كما قد ترتبط باضطرابات في نظم القلب.

ولا تظهر أعراض واضحة لدى كثير من المصابين، بينما يعاني آخرون ضيق التنفس أو ألم الصدر أو الإغماء أو خفقان القلب.

وفي حالات محدودة، قد يؤدي اضطراب النشاط الكهربائي للقلب إلى توقف قلبي مفاجئ، ما يجعل المرض أحد الأسباب المعروفة للوفاة القلبية المفاجئة لدى بعض الشباب والرياضيين.

بروتين أساسي
ويرتبط بروتين ACTN2 بالساركومير، وهي الوحدة الأساسية المسؤولة عن انقباض خلايا عضلة القلب. ويتمركز البروتين في منطقة تُعرف باسم القرص “زد”، حيث يساعد على تثبيت خيوط الأكتين وتنظيمها، بما يضمن الأداء الميكانيكي لعضلة القلب أثناء الانقباض المتكرر.

ورغم أن دراسات سابقة ربطت تغيرات في الجين المسؤول عن إنتاج ACTN2 بأمراض عضلة القلب، فإن تأثير كل طفرة في بنية البروتين واستقراره وتفاعله مع المكونات الأخرى داخل الخلية لم يكن مفهومًا بشكل كامل.

واختار الباحثون 17 طفرة من نوع “الطفرة المغلوطة”، وهي تغيرات في الحمض النووي تؤدي إلى استبدال حمض أميني بآخر داخل البروتين. وتوزعت الطفرات على مناطق مختلفة من ACTN2، من بينها مناطق مسؤولة عن الارتباط بالأكتين وأخرى ترتبط بالبنية الداخلية للبروتين.

واستخدم الفريق مجموعة من التقنيات الكيميائية الحيوية والبنيوية، شملت قياس ذوبان البروتين وثباته الحراري، والتصوير البلوري بالأشعة السينية، والنمذجة الجزيئية، واختبارات الارتباط بالأكتين، إلى جانب تقنيات لدراسة حجم البروتين وميله إلى التكتل.

وأظهرت النتائج أن جميع النسخ المتغيرة التي خضعت للاختبار سجلت انخفاضًا في قابلية الذوبان مقارنة بالبروتين الطبيعي، مع ميل بعض الطفرات إلى تكوين تجمعات بروتينية. 

طفرة وظيفية
وبرزت منطقة الارتباط بالأكتين باعتبارها من أكثر أجزاء البروتين حساسية للتغيرات الجينية، إذ أظهرت الطفرات الواقعة فيها عدم استقرار حراري أكبر.

وتوقعت النماذج الجزيئية أن تؤدي بعض الطفرات إلى إضعاف ارتباط ACTN2 بالأكتين، في حين قد تثبت طفرات أخرى البروتين في وضع يزيد التصاقه بخيوط الأكتين أكثر من اللازم.

وأكدت التجارب أن طفرة تحمل الرمز T247M زادت قوة ارتباط البروتين بالأكتين وسعة هذا الارتباط، ما يشير إلى أن المرض قد لا ينتج فقط عن فقدان وظيفة البروتين، بل قد يرتبط أيضًا بزيادة بعض وظائفه أو اختلال تنظيمها.

تعدد النماذج والتجارب
وتوقع الباحثون أن تؤثر تغيرات أخرى في المنطقة المركزية للبروتين في قدرته على تكوين البنية الثنائية اللازمة لأداء وظائفه. إلا أن دراسة البنية البلورية لاثنتين من هذه الطفرات أظهرت أن الجزيئات لا تزال قادرة على تكوين أزواج مستقرة.

وقال الفريق إن هذه النتيجة تبرز أهمية الجمع بين التنبؤات الحاسوبية والاختبارات المعملية، لأن النماذج النظرية وحدها قد لا تكشف التأثير الفعلي للطفرة داخل البروتين الكامل.

وقالت كاتيا جيملش، أستاذة أمراض القلب الجزيئية في جامعة برمنغهام والمشاركة في إعداد الدراسة، إن اعتلال عضلة القلب الضخامي قد يصيب أشخاصًا يبدون أصحاء ويتمتعون بلياقة بدنية جيدة، رغم أن آثاره قد تكون خطيرة.

وأضافت أن النتائج تساعد على فهم كيفية تأثير هذه التغيرات في بروتينات القلب، وقد تدعم مستقبلًا البحث عن طرق للتعامل مع نقاط الضعف الجزيئية المرتبطة بها.

تفسير الفحوص
ويمثل تفسير نتائج الفحوص الجينية تحديًا كبيرًا في أمراض القلب الموروثة، إذ يكشف الفحص عن تغير في أحد الجينات دون أن يكون واضحًا ما إذا كان هذا التغير مسببًا للمرض أم مجرد اختلاف وراثي غير ضار.

وأشار الباحثون إلى أن بعض الطفرات التي شملتها الدراسة كانت مصنفة ضمن التغيرات ذات “الدلالة السريرية غير المؤكدة”، فيما لم يكن لبعضها تصنيف واضح، وتضاربت التفسيرات بشأن طفرات أخرى بين اعتبارها حميدة أو مسببة للمرض.

وقال الباحثون إن المنهج المستخدم في الدراسة يمكن تكراره في مختبرات أخرى، كما يمكن تكييفه لدراسة تغيرات وراثية تصيب بروتينات قلبية أخرى، بما قد يساعد الأطباء على التمييز بين الطفرات الخطرة والتغيرات غير المؤذية.

وأكد الباحثون أن الدراسة لم تختبر علاجًا جديدًا، ولم تثبت أن استهداف بروتين ACTN2 دوائيًا يمكن أن يمنع الوفاة القلبية المفاجئة. كما أن معظم الاختبارات أُجريت على بروتينات معزولة وفي أنظمة معملية، وليس ضمن تجارب سريرية على المرضى.

ويحتاج الأمر، وفق الباحثين، إلى دراسات إضافية على خلايا عضلة القلب والنماذج الحيوانية، إلى جانب بيانات سريرية من حاملي هذه الطفرات، لتحديد كيفية تأثير كل طفرة في القلب مع مرور الوقت، وما إذا كانت الآليات المكتشفة قابلة للاستهداف العلاجي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *