أخبار خاصة

لبنان على حافة الانهيار الكبير

ناجي الخوري

لم يعد الحديث عن الأزمة الاقتصادية في لبنان يعكس حقيقة المشهد. فالبلاد تجاوزت منذ سنوات مرحلة الأزمة التقليدية، لتدخل منطقة أكثر خطورة، حيث يقف الاقتصاد على حافة انهيار طويل الأمد، ليس بسبب نقص الحلول أو غياب الدعم الدولي، بل نتيجة عجز السلطة السياسية عن اتخاذ القرارات الإصلاحية التي باتت شرطاً إلزامياً لإنقاذ الدولة واستعادة ثقة الداخل والخارج.

ففي الوقت الذي تتسابق فيه دول المنطقة لاستقطاب الاستثمارات وإعادة هيكلة اقتصاداتها بما يتلاءم مع التحولات العالمية، لا يزال لبنان يدور في الحلقة نفسها التي أوصلته إلى الانهيار المالي الأكبر في تاريخه. اجتماعات ولجان وخطط وتصريحات تتكرر منذ سنوات، لكن النتيجة واحدة: لا إصلاحات فعلية، ولا محاسبة، ولا رؤية اقتصادية متكاملة، فيما تتقدم المحاصصة والزبائنية السياسية على أي اعتبار وطني.

اليوم، لا يواجه لبنان أزمة سيولة أو عجزاً مالياً فحسب، بل يواجه أزمة حكم وإدارة. فكل مشروع إصلاحي يتحول سريعاً إلى مادة للتفاوض بين أركان السلطة، وكل قانون مطلوب لإعادة الانتظام المالي يصبح رهينة الحسابات السياسية وتقاسم النفوذ، حتى بدا واضحاً أن حماية المصالح الخاصة تتقدم على حماية الدولة نفسها.

فمنذ توقيع الاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تنفيذ الإصلاحات الجوهرية التي تعهدت بها. فلا إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي، ولا توزيع واضح وعادل للخسائر المالية، ولا إصلاح جدي لقطاع الكهرباء الذي لا يزال يستنزف المالية العامة، ولا تحديث للإدارة العامة، ولا استقلال كامل للقضاء، ولا خطوات كافية لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.

وفي كل مرة يقترب فيها لبنان من اتخاذ قرار إصلاحي، تعود الانقسامات السياسية لتفرض نفسها، فيتم تأجيل الملفات أو تعديلها بما يحافظ على موازين القوى التقليدية، حتى أصبحت الإصلاحات نفسها ضحية نظام المحاصصة الذي يحكم الدولة منذ عقود.

الأخطر أن السلطة لا تزال تراهن على عامل الوقت، وكأن الاقتصاد قادر على الانتظار. لكن المؤشرات تقول العكس تماماً. فالاستثمارات الأجنبية لا تزال محدودة، ورؤوس الأموال اللبنانية تفضل الأسواق الخارجية، والكفاءات تواصل الهجرة، فيما يتوسع الاقتصاد النقدي خارج رقابة الدولة، وتتراجع قدرة المؤسسات العامة على تقديم أبسط الخدمات للمواطنين.

أما التغيير الذي تتحدث عنه السلطة، فيبدو حتى الآن أقرب إلى تبديل في الوجوه منه إلى تغيير في السياسات. فالنهج الاقتصادي نفسه مستمر، وآليات اتخاذ القرار لم تتبدل، فيما بقيت الزبائنية السياسية الوسيلة الأساسية لإدارة مؤسسات الدولة وتوزيع الموارد والوظائف، الأمر الذي يقوض أي محاولة لبناء إدارة حديثة تقوم على الكفاءة والإنتاجية.

ولا يخفى أن المجتمع الدولي بات أكثر تشدداً في مقاربة الملف اللبناني. فلم تعد الوعود تكفي، ولم تعد البيانات الحكومية تقنع المؤسسات المالية الدولية. المطلوب اليوم تنفيذ فعلي للإصلاحات، لا الإعلان عنها، لأن الثقة التي فقدها لبنان خلال السنوات الماضية لا يمكن استعادتها إلا بالأفعال، لا بالشعارات.

في المقابل، فإن استمرار المراوحة يحمل مخاطر تتجاوز الاقتصاد. فكل يوم يمر من دون إصلاح يضعف مؤسسات الدولة أكثر، ويزيد الفقر والبطالة، ويعمق الفوارق الاجتماعية، ويكرس اقتصاداً هشاً يعتمد على التحويلات الخارجية والمساعدات، بدلاً من الاستثمار والإنتاج.

اقتصادياً، لا يزال لبنان يمتلك مقومات النهوض. فموقعه الجغرافي، وقطاعه الخاص، وطاقاته البشرية، وقدرته على جذب الرساميل، كلها عناصر يمكن أن تشكل قاعدة لتعافٍ حقيقي. لكن هذه الإمكانات تبقى معطلة طالما أن القرار السياسي أسير الحسابات الفئوية، وطالما بقيت الإصلاحات مجرد عناوين في البيانات الوزارية.

إن المشكلة لم تعد تقنية أو مالية، بل أصبحت أزمة نموذج حكم. فالنظام الذي أنتج الانهيار لا يزال يدير الدولة بالأدوات نفسها، فيما تتآكل المؤسسات وتزداد كلفة الإنقاذ عاماً بعد عام. ومع كل تأخير، تصبح العودة إلى الاستقرار أكثر صعوبة، لأن الخسائر تتراكم، والثقة تتراجع، والفرص تضيع.

اليوم، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية. فإما أن تتخذ السلطة قراراً تاريخياً بالانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن إدارة المصالح الخاصة إلى إدارة المصلحة العامة، وإما أن يستمر الانحدار نحو انهيار أشمل، لن يكون اقتصادياً فقط، بل سيطال بنية الدولة نفسها وقدرتها على البقاء.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الأموال أو الدعم الدولي، بل في غياب الإرادة السياسية. فإذا بقيت الإصلاحات رهينة الصفقات والتوازنات، فإن لبنان لن يخسر فقط فرصة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل قد يخسر آخر فرصة لإنقاذ اقتصاده وإعادة بناء دولته قبل فوات الأوان.
على التعليق المسبق لسريان مفعول القانون بإقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، تظل الرحلة التشريعية الثلاثية التي تضم أيضاً قانون تعديلات السرية المصرفية، رهينة التوافق الأصعب على المشروع العالقd، والذي اصطلح على تسميته «قانون الفجوة»، بفعل التباعد الصريح والحاد في مقاربات المفاهيم والأساسيات، بدءاً من تحديد حجم الخسائر، وانتهاءً بتوزيع الأعباء وفقاً للمسؤوليات، تمهيداً لاعتماد الآليات المناسبة لرد «ما أمكن» من حقوق المودعين الذين تتلاشى آمالهم تباعاً، بعد انتظار طويل ومؤلم يشرف على ختام عامه السابع.
وبذلك، يستمر المشهد المالي والنقدي، على حال «عدم اليقين»، والزاخر بالتباسات تقارب المعضلات المستمرة، في العجز «المستنسخ» باعتماد مقاربة محلية موحدة ومتكاملة، تستهدف الإنقاذ والتعافي؛ إذ إن «التسليم» بكامل مطالب صندوق النقد الدولي الذي يميل إليه الفريق الحكومي، حسب المسؤول المالي، سيفضي حكماً إلى «تعثر» معظم المصارف العاملة، وبالتبعية تجهيل مصير قيود أصحاب الحقوق، بينما لا أحد يضمن أنّ الالتزام بشروط «استدامة الدين العام» للحصول على التمويل الموعود، سيعيد البلد إلى أسواق الائتمان الدولية بلا جهاز مصرفي ناشط، وصلاحيات مقتطعة من حاكمية البنك المركزي.
بانتظار تعديلات الحكومة
وريثما تعود الحكومة بتعديلاتها المجدّدة، بعدما استعادت المشروع الأساسي المحال سابقاً إلى المجلس النيابي، ترتفع حدة الهواجس، وفق المسؤول عينه، من المراوحة في حلقة الجدليات المفرغة بين شرط صندوق النقد المتشدّد بالحد من «استخدام الأموال العامة» في إصلاح أوضاع المصارف، وواقع إقدام الدولة على سحب التمويل المكشوف من البنك المركزي، بما لا يقل مجموعه عن 60 مليار دولار. في حين أن هذه المبالغ مصنفة أساساً، وبإجمالي يقارب 80 مليار دولار؛ ودائع وشهادات استثمارية للبنوك التجارية، واستطراداً «أموال المودعين».
تعريف الأزمة… خلاف مستمر
وفي الأصل، فإن الخلاف لم يحسم تماماً حول «تعريف» الأزمة، حسب المسؤول المالي، رغم أولويته في تحديد المسؤوليات وتوزيعات الخسائر بين ثلاثي الدولة والمركزي والبنوك، بما يفضي إلى رد أموال المودعين بالتناسب مع توفر التدفقات ووفق وسائل متنوعة وجداول زمنية واضحة تلقى الموافقة الشرطية من غالبية أصحاب الحقوق، مع التقدير الموضوعي بما لحق بهم في السنوات الماضية، وسيتواصل في السنوات اللاحقة، من اقتطاعات فادحة وخسائر استثمارية (صفر عوائد) وعجوزات مشهودة في تعذر تلبية احتياجات مالية ملحة.
ورغم أسلوب المواربة في التوصيف الذي تعتمده الحكومة، يجاهر حاكم «المركزي»، كريم سعيد، بأن الأزمة المالية والمصرفية في لبنان، هي «أزمة نظامية» بكل ما للكلمة من معنى، من الناحية التقنية. وقد جرى توصيفها على هذا النحو من قبل كثير من الخبراء محلياً ودولياً، كما أقرّ بها مؤخراً صندوق النقد الدولي. واستدلالاً، فالمسألة «لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف؛ بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي للبنك المركزي، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت هذه العناصر كافة يغذي بعضها بعضاً وصولاً إلى انهيار شامل.
حقائق… بالنسبة إلى «المركزي»
في تبرير هذا التوصيف، وتعزيز أحقيته وصلابته، يورد البنك المركزي حزمة من الحقائق الأساسية، التي لا تحتمل أي تجميل، وفي مقدمتها أن نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان. واستتباعاً، تخلّفت الدولة عن سداد سندات «اليوروبوندز» في ربيع عام 2020، بالتوازي مع انهيار قيمة سندات الخزينة بالعملة الوطنية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات «اليوروبوندز». وبالحصيلة، انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98 في المائة، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعيّة.
كذلك، لم تتردّد جمعية المصارف في نقل مخاوفها إلى كبار المسؤولين بالدولة، رغم الإصرار على استبعادها عملياً من النقاشات الحكومية، وفي مستجداتها ما سمعه رئيس الجمهورية من مجلس الإدارة برئاسة سليم صفير، بأن «الطرح الحالي لمعالجة الأزمة المالية يبدو مجحفاً بحق القطاع المصرفي، وأن تطبيقه بصيغته الحالية غير قابل للتنفيذ عملياً»، ومبيناً تطلّع الجهاز المصرفي إلى الشراكة الفاعلة في مسار الإصلاحات المطلوبة، والتزامه بلعب دوره في دعم مسيرة التعافي والمساهمة في إعادة بناء الثقة بالاقتصاد اللبناني.
قانون لا يشطب الودائع
بدوره، أكد رئيس لجنة المال النيابية، أن مشروع قانون «الفجوة» المحال سابقاً، يخضع لإعادة نظر ببعض مواده من قبل الحكومة، «وما نريده، هو قانون لاسترداد الودائع لا لشطبها. ومن هذا المنطلق، تعيد الحكومة النظر ببعض البنود لتأمين النتيجة المرجوة التي يفترضها الهدف من القانون؛ فالثقة لا نحصل عليها من صندوق النقد خارجياً فقط، بل الثقة الداخلية مهمة أيضاً من خلال المودع اللبناني والمستثمر، الذي لن يضع قرشاً في لبنان إذا لم يشعر بأنه مضمون».

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *