أخبار اقتصادية

أموال التعافي الأوروبية تقود طفرة الصناديق السيادية

واصلت دول الاتحاد الأوروبي ضخ مليارات اليوروهات من صندوق التعافي بعد جائحة كوفيد-19 لتمويل إنشاء صناديق استثمار سيادية جديدة.

ووفقاً لتقرير صناديق الثروة السيادية لعام 2026 أصبحت أوروبا تمثل الآن 16% من الأصول السيادية العالمية، مع تركيز متزايد لهذه الصناديق على تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والقدرة التنافسية الصناعية.

وأضاف التقرير، الذي أعده مركز حوكمة التغيير التابع لجامعة IE ومؤسسة ICEX-Invest في إسبانيا، أن الارتفاع الأخير في عدد الصناديق السيادية داخل الاتحاد الأوروبي جاء بدرجة كبيرة نتيجة ظهور “جيل جديد من الصناديق الأوروبية” يعتمد على “رأس مال تأسيسي” مقدم من أموال التعافي من جائحة كوفيد-19 من داخل التكتل.

صندوق التعافي الأوروبي

وأُطلق صندوق التعافي الأوروبي عام 2022 لمساعدة اقتصادات الاتحاد الأوروبي على التعافي من الضربة الهائلة التي سببتها جائحة كوفيد-19. ويتكون الصندوق من قروض ومنح، وقد وفر ما مجموعه 648 مليار يورو للدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي قدمت خططًا وطنية للتعافي إلى المفوضية الأوروبية من أجل الحصول على التمويل.

ويختلف برنامج الصندوق عن صناديق الثروة السيادية التقليدية، إذ إنه لا تملكه الدول ولا يتم تمويله من فوائض عائدات صادرات النفط أو المعادن، كما هو الحال مع صندوق الثروة السيادي النرويجي، الذي بلغت قيمته 2.1 تريليون دولار في آذار 2026، بل يُموّل البرنامج  بالكامل من خلال ديون تجمعها المفوضية الأوروبية عبر أسواق السندات.

ويرى خبراء الاقتصاد أن صناديق الثروة السيادية أصبحت تلعب دورًا متزايد الأهمية في تمويل التحولات الاقتصادية الكبرى، إذ لا تقتصر استثماراتها على تحقيق عوائد مالية، وإنما تمتد إلى دعم المشروعات الاستراتيجية التي تعزز الأمن الاقتصادي، وتوفر فرص العمل، وترفع مستويات الإنتاجية والابتكار.

وأشار التقرير إلى أن صندوق الاستثمار المشترك (FOCO)، وهو صندوق عام للاستثمار تديره (COFIDES) الإسبانية، قد يدفع نحو “موجة ثانية من إنشاء صناديق الثروة السيادية الأوروبية بين عامي 2026 و2030”.

وفي دول التكتل، وافقت الحكومة البرتغالية على خطط إنشاء صندوق ثروة سيادي، بعد أن أقر البرلمان الوطني هذه الخطط في حزيران. ومن المقرر أن ينتهي برنامج التمويل الأوروبي في نهاية هذا العام.

مكانة إسبانيا

من ناحية أخرى، أثبتت إسبانيا مكانتها كوجهة أوروبية رئيسية لرأس المال السيادي، حيث اجتذبت 18 صفقة بقيمة 6.7 مليار يورو، لتحتل المرتبة الثانية بعد ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، والسادسة عالميًا من حيث قيمة المعاملات المرتبطة بصناديق الثروة السيادية، في مؤشر يعكس تنامي ثقة المستثمرين السياديين في الاقتصاد الإسباني وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل.

وفي كانون الثاني، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خططًا لإنشاء صندوق “إسبانيا تنمو” بالاعتماد على 10.5 مليار يورو من برنامج أموال التعافي الأوروبي، بهدف تحفيز 120 مليار يورو من الديون الخاصة لتمويل استثمارات في الإسكان والأمن القومي.

وأظهرت أحدث البيانات أن إسبانيا سجلت 18 صفقة استثمارية لصناديق الثروة السيادية خلال الفترة الممتدة من تموز 2024 وحتى كانون الأول 2025، بإجمالي قيمة بلغ 6.7 مليار يورو، وهو ما يعزز مكانة البلاد باعتبارها أحد أهم مراكز الاستثمار السيادي في أوروبا.

وتضم هذه الاستثمارات مساهمات من صناديق ثروة سيادية دولية إلى جانب أدوات استثمار وطنية إسبانية، جرى توجيهها إلى مجموعة من القطاعات الاقتصادية الحيوية التي تراهن عليها الحكومة الإسبانية لدفع النمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية خلال السنوات المقبلة.

ويعكس هذا الأداء الاستثماري نجاح السياسات الاقتصادية التي انتهجتها مدريد في توفير بيئة جاذبة لرؤوس الأموال، من خلال التركيز على المشروعات الاستراتيجية، وتحسين مناخ الاستثمار، ودعم التحول الاقتصادي نحو القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وتشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر من التدفقات الاستثمارية جاء مدفوعًا بمبادرات استراتيجية تستهدف دعم الطاقة المتجددة، وتسريع التحول الرقمي، وتمويل مشروعات الاقتصاد الأخضر، وهي القطاعات التي أصبحت تحظى بأولوية متزايدة لدى المستثمرين السياديين حول العالم.

ويأتي الاهتمام المتزايد بالطاقة النظيفة في ظل التزام إسبانيا والاتحاد الأوروبي بخطط خفض الانبعاثات الكربونية، والتوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، بما يشمل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وهو ما يوفر فرصًا استثمارية ضخمة لصناديق الثروة السيادية الباحثة عن استثمارات مستقرة وطويلة الأجل.

كما يمثل التحول الرقمي أحد أهم محاور جذب الاستثمارات، مع استمرار الحكومة الإسبانية في تطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم مراكز البيانات، وتعزيز الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والاتصالات، بما يسهم في رفع تنافسية الاقتصاد الإسباني على المستوى الأوروبي والدولي.

وفي الوقت نفسه، يشكل الاقتصاد الأخضر ركيزة أساسية في استراتيجية التنمية الإسبانية، حيث تتجه الاستثمارات إلى مشروعات النقل المستدام، وكفاءة استخدام الطاقة، والاقتصاد الدائري، والتقنيات منخفضة الانبعاثات، بما يتماشى مع أهداف الاتحاد الأوروبي لتحقيق الحياد الكربوني خلال العقود المقبلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *