أخبار اقتصادية

مصرف لبنان يفتح أخطر ملفات الماضي …. هل بدأت ساعة المحاسبة؟

ناجي الخروري

لم يكن البيان الذي أصدره مصرف لبنان، الاسبوع الماضي، مجرد إعلان عن دعويين جزائيتين جديدتين، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي ـ مالي عن بداية مرحلة مختلفة في إدارة الأزمة اللبنانية. فالمصرف المركزي لم يكتف بالإعلان عن ملاحقة مسؤول سابق فيه وعدد من كبار المصرفيين السابقين بتهم تتراوح بين، الاختلاس، الإثراء غير المشروع، الاحتيال، وتأليف تنظيم إجرامي، بل رسم للمرة الأولى معالم استراتيجية تقوم على استرداد الأموال المنهوبة وتحميل المسؤوليات الفردية، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز القضاء إلى الاقتصاد والسياسة والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

فالبيان جاء في توقيت بالغ الحساسية، مجلس نيابي يستعد لمناقشة قانون اعادة هيكلة المصادف والفجوة المالية، وصندوق نقد يكرر أن أي برنامج إنقاذ لن يرى النور ما لم تقترن الإصلاحات التشريعية بمحاسبة فعلية للمسؤولين عن الانهيار المالي الذي أطاح بالقطاع المصرفي وأفقد اللبنانيين مدخراتهم.

هكذا، تبدو الدعاوى القضائية الجديدة محاولة واضحة لإثبات أن مصرف لبنان لم يعد يكتفي بإدارة تداعيات الأزمة، بل انتقل إلى ملاحقة من يعتبرهم مسؤولين عن جزء من أسبابها، في رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج بأن مرحلة الحصانات المطلقة لم تعد مقبولة.

لكن أهمية البيان لا تكمن فقط في الاتهامات التي تضمنها، بل في اللغة التي استخدمها. فالمصرف يتحدث عن “مخطط منسق” لاستغلال الأموال العامة، وعن شبكة من المتورطين داخل لبنان وخارجه، ويعلن صراحة أن هدفه ليس مجرد إنزال العقوبات، بل استعادة الأموال والتعويض عن الأضرار. مقاربة تعكس تحولاً في فلسفة التعاطي مع الجرائم المالية، إذ تصبح الأولوية لاسترداد الحقوق وحماية المال العام، لا للاكتفاء بإجراءات عقابية قد لا تعيد للمودعين شيئاً من أموالهم.

سياسياً، حمل البيان رسالة لا تخطئها العواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية، مفادها أن البنك المركزي يسعى إلى إعادة بناء صورته كمؤسسة رقابية مستقلة تتبنى مبادئ الشفافية والمساءلة، بعدما ارتبط اسمه طوال سنوات بملفات أثارت انتقادات داخلية وخارجية واسعة.

كما أن البيان تضمن رسالة طمأنة للقطاع المصرفي نفسه، إذ حرص على الفصل بين المسؤوليات الفردية والمؤسسات المصرفية، مؤكداً أن الدعاوى لا تستهدف المصارف التجارية، بل الأشخاص الذين يُشتبه بارتكابهم المخالفات، مع تجديد الثقة بالإدارات الحالية واعتبارها شريكاً في مشروع إعادة هيكلة القطاع.

تفصيل ليس عابراً، بل يعكس رغبة واضحة في منع اهتزاز ما تبقى من الثقة بالنظام المصرفي، تمهيداً لإطلاق ورشة إعادة الهيكلة، رغم أن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: هل تكفي هذه الخطوة لإقناع صندوق النقد الدولي بأن لبنان دخل فعلاً مرحلة الإصلاح؟

الجواب، وفق المعايير التي يعتمدها الصندوق، هو أن هذه الخطوة تمثل تطوراً مهماً، لكنها لا تزال جزءاً من صورة أكبر بكثير. “فالنقد الدولي” لا ينظر إلى مكافحة الفساد بوصفها إجراءً معزولاً، بل كجزء من منظومة إصلاحية متكاملة تشمل إعادة هيكلة المصارف، توزيع الخسائر بصورة عادلة، إقرار قانون الانتظام المالي، تطوير الإطار القانوني للسرية المصرفية، تعزيز استقلالية القضاء، وإصلاح المالية العامة.
لذلك، فإن قيمة الدعاوى القضائية ستبقى مرتبطة بقدرة الدولة على استكمال هذه المسارات بالتوازي.

غير ان الأهم يبقى بأن المجتمع الدولي لم يعد يكتفي بالإعلانات. فقد شهد لبنان خلال السنوات الماضية عشرات التحقيقات والملفات التي انتهت من دون نتائج حاسمة، ما يجعل الاختبار الحقيقي اليوم في قدرة القضاء على إصدار أحكام مستقلة، وتنفيذها، واستعادة الأموال بصورة فعلية، لا الاكتفاء بإطلاق مواقف إعلامية.

مع ذلك، يصعب التقليل من أهمية ما أعلنه مصرف لبنان. فالرسالة السياسية والاقتصادية واضحة: المصرف يريد أن يقدم نفسه شريكاً في مشروع الإنقاذ، لا جزءاً من الأزمة، وأن يثبت للمجتمع الدولي أن الإصلاح لم يعد شعاراً، بل مساراً بدأ يأخذ شكله العملي.

عليه، يبقى الرهان على أن تتحول هذه الخطوة إلى بداية لمسار متكامل، لأن صندوق النقد لن يمنح لبنان شهادة حسن سلوك لمجرد فتح ملفات قضائية، بل سيحكم على النتائج.
فإذا اقترنت هذه الملاحقات بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية، فقد تشكل نقطة تحول في المفاوضات مع الصندوق، وتفتح نافذة حقيقية أمام استعادة الثقة والتمويل الدولي.
أما إذا بقيت في إطار الرسائل السياسية، فإنها ستنضم إلى سلسلة المبادرات التي رفعت سقف التوقعات قبل أن تتبدد تحت وطأة التعقيدات اللبنانية.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *