يعمل أحدث صندوق سيادي في أبوظبي على عملية إعادة هيكلة تشمل كوادره التنفيذية وأجزاء من محفظته، إذ يستعد صندوق “لِعماد القابضة”، الذي يشرف عليه ولي عهد الإمارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، وتبلغ أصوله 300 مليار دولار، للاضطلاع بدور أكبر على صعيد إبرام الصفقات.
في هذا الإطار، يعمل “لِعماد” مع “بوسطن كونسلتينغ غروب” (Boston Consulting Group) لاستقطاب كوادر رفيعة المستوى، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر. كما تُراجع الشركة بعض الأدوار القائمة، وطلبت من بعض التنفيذيين الذين انتقلوا من “القابضة” (ADQ)، عقب عملية استحواذ في وقت سابق من العام، إعادة التقدم لشغل مناصبهم، بحسب الأشخاص.
وتقدم هذه التحركات لمحة عن الطريقة التي يسعى بها المسؤولون في أبوظبي إلى إعادة تشكيل صندوق الثروة السيادي. تأسس “لِعماد” العام الماضي، وسرعان ما دُمجت مع “القابضة” (ADQ)، أحد أسرع صناديق الاستثمار السيادية نمواً في العالم، بأصول تمتد من حصة في دار مزادات “سوذبيز” (Sotheby’s) إلى شركة الطيران الرئيسية في أبوظبي وحيازات محلية بارزة أخرى.
إلى جانب تلك الأصول، ورث “لِعماد” تفويضاً أوسع من المتوقع أن يضعها في قلب مساعي أبوظبي لتعزيز استثماراتها في الدفاع والبنية التحتية، فضلاً عن صفقات في الصين والولايات المتحدة.
وبالنسبة إلى بنوك “وول ستريت” وشركات الملكية الخاصة التي تتنافس على أموال أبوظبي، تعطي إعادة الهيكلة الحالية مؤشراً على توجهات رئيس مجلس إدارة “لِعماد” الشيخ خالد بن محمد، والرئيس التنفيذي جاسم بوعتابة الزعابي.
هدف إعادة هيكلة “لِعماد”
تشمل عملية إعادة التنظيم في “لِعماد” أدواراً استثمارية وتشغيلية، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر. وبينما انتقل كثير من الموظفين إلى الكيان المدمج، تسعى الإدارة إلى تبسيط خطوط المسؤولية الإدارية وإزالة التداخل، وفق أشخاص مطلعين.
ومن المرجح أن تؤثر التغييرات في عدد الموظفين، وفقاً لأحد الأشخاص، ما يؤدي إلى درجة من عدم اليقين داخل الصندوق. كما يواجه شركاء خارجيون تربطهم علاقات طويلة الأمد مع “القابضة” (ADQ) احتمال الاضطرار إلى إعادة بناء الروابط مع أصحاب النفوذ الجدد داخل “لِعماد”، بحسب بعض الأشخاص.
وتساعد “بوسطن كونسلتينغ غروب” الصندوق في توظيف تنفيذيين كبار، بدءاً من إجراء عملية فرز أولية صارمة، بحسب الأشخاص الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لأن المعلومات سرية. ثم يخوض المرشحون المختارون عدة جولات من المقابلات قبل الاجتماع مع المدير المالي سامر خليفة، أو رئيس الاستثمار هاشم الدباس، كما أفاد الأشخاص.
في إطار إعادة التنظيم، يسعى الصندوق أيضاً إلى تعيين رئيس تنفيذي لشركة “لِعماد كابيتال”، التي يُتوقع أن تتولى الإشراف على أنشطة الاستثمار في الأسواق العالمية، وفقاً لأشخاص مطلعين.
ترتبط شركة الاستشارات العملاقة بعلاقات راسخة في المنطقة، وهذه المهمة ستساعدها على تعزيز أعمالها في وقت تواجه فيه تباطؤاً في بعض الأسواق. وأسهمت “بوسطن كونسلتينغ” بدور محوري في وضع خطط إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي، وعملت على نطاق واسع مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي البالغة أصوله تريليون دولار.
تعزيز الحضور في الولايات المتحدة
قال أحد الأشخاص إن الشركة تهدف على وجه التحديد إلى تعزيز حضورها في الولايات المتحدة، وعينت خلال الأشهر الماضية مسؤولين تنفيذيين من مؤسسات رائدة في وول ستريت. ورفض ممثلون عن “لِعماد” و”بوسطن كونسلتينغ” التعليق.
ودأبت أبوظبي على دمج كياناتها الاستثمارية السيادية في إطار جهود لإعادة تشكيل هيكلها المالي. جاء أكبر تحول في عام 2017، بدمج شركة “مبادلة للتنمية” مع شركة “الاستثمارات البترولية الدولية” لإنشاء شركة “مبادلة للاستثمار“.
ضمّت الصفقة أصولاً بقيمة تقارب 125 مليار دولار، وكان الهدف منها تبسيط المحافظ الاستثمارية المتداخلة، وخفض التكاليف، وتأسيس كيان استثماري عالمي أكبر في أعقاب انهيار أسعار النفط.
وعززت الإمارة هذا التوجه عبر نقل مجلس أبوظبي للاستثمار إلى “مبادلة”، لتضم إليها محفظة أخرى من الأصول المحلية والدولية تحت المظلة الاستثمارية نفسها.
هذه الخطوات أبرزت استراتيجية أوسع تتمثل في تركيز أصول الدولة في عدد أقل من المؤسسات الأكبر حجماً، ذات المهام الأكثر وضوحاً، مع منحها قدرة أكبر على المنافسة على الاستثمارات العالمية. كما أرست نهجاً تكرر الاعتماد عليه في الإمارة، وهو دمج الكيانات الاستثمارية لتعزيز كفاءة الحوكمة وإزالة الازدواجية وتأسيس كيانات وطنية كبرى قادرة على توظيف سيولة ضخمة عالمياً.
التخلي عن نهج متحفظ
على سبيل المثال، يتخلى مجلس أبوظبي للاستثمار تدريجياً عن نهجه المتحفظ، ليتوسع في قطاعات استثمارية جديدة ضمن محفظته التي تبلغ 160 مليار دولار.
أطلق الصندوق نشاطاً للاستثمارات في الأسواق الثانوية يضم حالياً 12 موظفاً، ويطمح لاستثمار ما يصل إلى 10 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات، بالتزامن مع تعزيز انكشافه على الائتمان الخاص وقطاع التأمين وصناديق التحوط، مستهدفاً عوائد لا تقل عن 10%.
كما استهدف قرار دمج “القابضة” (ADQ) في “لِعماد” تبسيط منظومة الاستثمار في أبوظبي، مع منح المنصة الجديدة حجماً أكبر. وتحتضن الإمارة بالفعل كلاً من “مبادلة ” وجهاز أبوظبي للاستثمار، اللذين قادا لعقود جهود الحكومة الرامية لتنويع الاقتصاد بعيداً عن قطاع الطاقة.
في السنوات الأخيرة، انضمت إلى هذه الكيانات مؤسسات متخصصة، منها شركة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي “إم جي إكس” (MGX)، وشركة إدارة الأصول “لونيت”.
ومنحت صفقة “لِعماد” الشيخ خالد، الذي كان يركز سابقاً على الجوانب السياسية والاجتماعية لإدارة البلاد، دوراً أكبر في إبرام الصفقات الاستثمارية.
كانت “القابضة” (ADQ) تحت إدارة عمّه الشيخ طحنون بن زايد، الذي يشرف أيضاً على “جهاز أبوظبي للاستثمار” الذي يدير أصولاً بقيمة 1.19 تريليون دولار، وشركة “إم جي إكس”.
خطوات أكبر في استراتيجية أبوظبي
تحت قيادة ولي العهد والزعابي، قطع “لِعماد” خطوات ملموسة نحو ترسيخ دورها ضمن الاستراتيجية الاستثمارية للإمارة.
فالصندوق ساهم في تمويل استحواذ “باراماونت سكاي دانس” (Paramount Skydance) على “وارنر براذرز ديسكفري”. كما انضم إلى “بلاك روك” و”تيماسيك هولدينغز” في شراكة تستهدف استثمارات في البنية التحتية تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار، كما كُلّف بالمساعدة في بناء كيانات وطنية كبرى مع مواصلة السعي وراء استثمارات استراتيجية في الخارج.
إضافةً إلى ذلك، أدى الاندماج مع “القابضة” (ADQ) إلى جمع بعض أكبر حصص أبوظبي في الشركات تحت مظلة واحدة، بما في ذلك حصص في شركات مثل شركة “طاقة” للمرافق، التي تبلغ قيمتها 81 مليار دولار، و”مجموعة موانئ أبوظبي”.
وتعكس خطط “لِعماد” توجهاً أوسع لدى الصناديق السيادية الخليجية، التي باتت تسعى بشكل متزايد لاستقطاب كبار التنفيذيين من “وول ستريت”، وشركات الملكية الخاصة، والشركات العالمية لإدارة الأصول، لتعزيز قدرتها على المنافسة المباشرة في الصفقات المعقدة العابرة للحدود.
فعلى سبيل المثال، أنشأ صندوق الاستثمارات العامة السعودي شركة تابعة في نيويورك، واستقطب قبل بضع سنوات موظفين من مؤسسات مثل “غولدمان ساكس” و”بوينت 72″ (Point72).
كما استقطبت “إم جي إكس”، المدعومة من “مبادلة” و”جي 42″، مسؤولين تنفيذيين من “أبولو غلوبال مانجمنت” (Apollo Global Management) و”ووربرغ بينكوس” (Warburg Pincus) وشركات أخرى في وول ستريت. بينما عمدت “مبادلة كابيتال” لتوسيع منصتها الاستثمارية باطراد في أميركا الشمالية تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.





