بقلم هيلدا معلوف ملكي خبيرة معتمدة في الذكاء الاصطناعي من جامعة أكسفورد، عضو مجلس فوربس للأعمال، مؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة»، ومؤسسة AI Simplified Knowledge Hub
في معظم الشركات العائلية في لبنان والمنطقة، لا تكمن القيمة الحقيقية في المباني أو المعدات أو حتى العلامة التجارية، بل في الخبرة التي راكمها المؤسس أو الإدارة التنفيذية على مدى سنوات طويلة. هذه الخبرة هي التي تصنع القرارات، وتبني العلاقات، وتحدد أسلوب التفاوض، وتمنح الشركة قدرتها على مواجهة الأزمات، ومع ذلك تبقى في كثير من الأحيان حبيسة عقول أصحابها من دون أن تتحول إلى معرفة مؤسسية يمكن للأجيال اللاحقة الاستفادة منها.
اليوم يفتح الذكاء الاصطناعي باباً جديداً أمام المؤسسات، ليس لاستبدال القيادات، بل للحفاظ على خبراتها. ويبرز هنا مفهوم «التوأم الرقمي التنفيذي»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي يُبنى اعتماداً على خبرة المدير التنفيذي أو المؤسس، وطريقة تفكيره، وآلية اتخاذه للقرارات، والمحتوى الذي أنتجه عبر السنوات، والغاية ليست أن يحل مكان الإنسان، بل أن يحافظ على المعرفة المتراكمة ويجعلها متاحة للمؤسسة بصورة مستمرة. فالتوأم الرقمي ليس نسخة عن الشخص، بل نسخة عن خبرته.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الشركات العائلية التي تستعد لانتقال الإدارة بين الأجيال، أو في الشركات المساهمة التي تعتمد على استمرارية الأداء والحوكمة وثقة المساهمين، ففي مثل هذه المؤسسات لا يكفي نقل الملكية أو المناصب، بل يصبح نقل الخبرة عاملاً أساسياً في ضمان الاستمرارية والنمو.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بات بالإمكان أن تعمل هذه النماذج جنباً إلى جنب مع وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يستطيعون تنفيذ المهام وتحليل المعلومات ودعم فرق العمل بالاستناد إلى الخبرة المؤسسية المتراكمة، ما يساهم في رفع الإنتاجية وتسريع اتخاذ القرار.
لكن نجاح هذا التحول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على وجود حوكمة واضحة تحدد كيفية بناء هذه النماذج، وحماية البيانات، وصون الملكية الفكرية، وضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
خلال السنوات المقبلة لن يكون التنافس بين الشركات قائماً فقط على حجم الاستثمار أو جودة المنتجات، بل أيضاً على قدرتها على الحفاظ على خبراتها وتحويلها إلى أصل استراتيجي يدعم استمرارية الأعمال ويعزز قدرتها على النمو.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر طريقة إدارة الشركات، بل السؤال الحقيقي هو هل ستنجح شركاتنا في الحفاظ على خبرة مؤسسيها قبل أن تغادر معهم. وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، قد تصبح الخبرة المؤسسية المدعومة بالذكاء الاصطناعي واحدة من أهم الأصول التي تمتلكها الشركات، وركيزة أساسية لضمان استمراريتها عبر الأجيال.







