أخبار خاصة

المرسوم عُلِّق… فمن يعلّق جشع التجار وغياب الرقابة؟

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

في لبنان، يبدو أن الأسعار تعرف طريق الصعود أكثر مما تعرف طريق الهبوط. يكفي أن يصدر قرار بزيادة رسم جمركي، أو حتى مجرد حديث عن احتمال رفعه، حتى تتسابق الأسواق إلى رفع الأسعار. أما عندما تتراجع الدولة عن القرار أو تعلقه، فإن الأسعار تبقى في مكانها، وكأن شيئاً لم يكن.

قرار مجلس الوزراء تعليق العمل بالمرسوم رقم 3214 وإعادة درس جدول الرسوم الجمركية يطرح سؤالاً بديهياً: من سيعيد إلى المواطنين الأموال التي دفعوها نتيجة الزيادات التي فرضها التجار والمستوردون خلال الأيام الماضية؟

المفارقة أن كثيراً من السلع التي ارتفعت أسعارها لم تدخل البلاد أصلاً وفق الرسوم الجديدة، بل كانت موجودة في المستودعات وعلى رفوف المتاجر قبل صدور المرسوم. والرسوم الجمركية لا تُفرض بأثر رجعي على البضائع التي سبق أن دخلت الأراضي اللبنانية وسُددت رسومها وفق التعرفة السابقة. فبأي منطق ارتفعت أسعار هذه السلع؟ وهل كان الهدف تعويض كلفة حقيقية، أم استغلال حالة القلق لتحقيق أرباح إضافية على حساب المواطنين؟

هذا السلوك، إن ثبت أنه شمل بضائع لم تتحمل أي كلفة إضافية، لا يمكن وصفه إلا بأنه استغلال لغياب الرقابة وضعف المحاسبة. فالسوق لا يمكن أن يتحول إلى مساحة مفتوحة يحدد فيها كل تاجر السعر الذي يناسبه تحت أي ذريعة.

ولا تقل مسؤولية وزارة الاقتصاد خطورة عن مسؤولية بعض التجار والمستوردين. فالوزارة، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، تبدو في كثير من الأحيان منشغلة بتبرير ارتفاع الأسعار أكثر من انشغالها بمواجهته. وعوض أن تبدأ حملات تفتيش واسعة تطلب فيها فواتير الاستيراد وتواريخ التخليص الجمركي للتأكد من صحة الزيادات، يخرج المواطن بانطباع أن كفة التاجر هي الأرجح دائماً، بينما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف.

إن حماية المستهلك لا تكون بعقد الاجتماعات وإصدار البيانات، بل بالنزول إلى الأسواق، ومقارنة أسعار الشراء بأسعار البيع، والتأكد من أن أي زيادة تستند إلى كلفة فعلية لا إلى فرصة لزيادة الأرباح. فالفاتورة الجمركية هي الفيصل، وليست ادعاءات التجار.

اليوم، وبعد تعليق المرسوم، تقع على الحكومة مسؤولية أخلاقية وقانونية في آن واحد. فإذا كانت الزيادات قد فُرضت بذريعة الرسوم الجديدة، فإن زوال هذه الذريعة يفرض مراجعة فورية للأسعار، ولا سيما للسلع الموجودة في الأسواق قبل بدء تطبيق الرسوم. وأي تقاعس عن ذلك سيعني عملياً إعطاء إشارة بأن رفع الأسعار لا يحتاج إلى مبرر، وأن خفضها ليس التزاماً.

لقد تعب اللبناني من معادلة باتت ثابتة: الأسعار ترتفع فوراً، لكنها لا تنخفض أبداً. وبين تاجر يسارع إلى اقتناص الفرصة، ورقابة تبدو عاجزة أو متأخرة، يبقى المواطن يدفع الفاتورة وحده.

إن الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها من الزيادات غير المبررة، تفقد تدريجياً ثقة الناس بها. أما الأسواق التي تعتاد الإفلات من المحاسبة، فإنها تتحول إلى غابة لا يحكمها قانون، بل يحكمها منطق الربح مهما كان الثمن، حتى لو كان هذا الثمن ما تبقى من قدرة اللبنانيين على العيش بكرامة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *