ارتفعت تكاليف البناء في السعودية خلال أيار بأعلى وتيرة منذ 30 شهراً على الأقل، في إشارةٍ إلى تصاعد الضغوط التي تواجه شركات القطاع بالتزامن مع انتعاش المشاريع السكنية واستمرار الزخم القوي للمشاريع المرتبطة برؤية المملكة 2030.
وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء بنسبة 2.6% على أساس سنوي في مايو، وهو الأعلى وفق البيانات المتاحة منذ يناير 2024.
كما سجل المؤشر ارتفاعاً شهرياً بنسبة 0.2%، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية رغم تباطؤ وتيرة الارتفاع مقارنةً بالأشهر السابقة.
كان مؤشر “الراجحي المالية” لقطاع الإنشاءات أظهر الأسبوع الماضي عودة نشاط البناء في المملكة إلى منطقة النمو بتسجيله 51.2 نقطة خلال أيار، متجاوزاً مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش للمرة الأولى في ثلاثة أشهر. ويعكس تزامن المؤشرين واقعاً مزدوجاً للقطاع، يتمثل في توسع النشاط مدفوعاً بحجم المشاريع قيد التنفيذ، مقابل استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل ومدخلات الإنتاج.
فقد انعكس النشاط القوي على مستويات التكاليف، إذ سجل القطاع غير السكني في مايو أكبر زيادة سنوية في تكاليف البناء بلغت 3%، مقارنة بارتفاع نسبته 2.5% في القطاع السكني، ما يعكس قوة الطلب المرتبط بمشاريع البنية التحتية والمنشآت التجارية والصناعية التي تشهدها المملكة، وفقاً لبيانات الهيئة.
استئجار المعدات يقود ارتفاع التكاليف
توضح بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن استئجار المعدات والآلات كان العامل الأكثر تأثيراً في ارتفاع التكاليف. فقد زادت تكاليف هذه الفئة بنسبة 4.7% في المشاريع السكنية على أساس سنوي، فيما ارتفعت بنسبة 6.7% في المشاريع غير السكنية. كما ارتفعت تكاليف العمالة بنسبة 2.5% في المشاريع السكنية و3% في المشاريع غير السكنية، بينما سجلت تكاليف الطاقة زيادة بلغت 3% في كلا القطاعين.
هذه المؤشرات تعكس استمرار المنافسة على الموارد التشغيلية في سوق تشهد تنفيذ عشرات المشاريع الكبرى بالتوازي، تشمل الإسكان والبنية التحتية والنقل والسياحة والطاقة المتجددة. ومع تزايد الطلب على المعدات المتخصصة والكوادر الفنية، أصبحت الضغوط التشغيلية عاملاً رئيسياً في تحديد مسار التكاليف، متجاوزة في تأثيرها التقلبات التقليدية لأسعار المواد الخام.
رغم ذلك، بقيت أسعار المواد الأساسية أكثر استقراراً نسبياً. فقد ارتفعت تكاليف المواد بنسبة 1.6% في القطاعين السكني وغير السكني، مدفوعة بزيادة أسعار الأخشاب والنجارة وبعض مواد البناء الأخرى، إلا أنها ظلت أقل من الارتفاعات المسجلة في تكاليف المعدات والعمالة.
ويعكس هذا التحول مرحلة جديدة يمر بها قطاع البناء السعودي، حيث أصبحت التكاليف ترتبط بدرجة أكبر بقدرة السوق على توفير الخدمات والموارد التشغيلية اللازمة لمواكبة الطلب المتنامي الناتج عن المشاريع العملاقة، وليس فقط بأسعار المواد الأساسية.
آثار التوترات الجيوسياسية
رأى سلطان التويم، رئيس الأبحاث في “الراجحي المالية”، بمقابلة مع “الشرق” عند إطلاق المؤشر، أن القطاع يواصل الاستفادة من المشاريع القائمة وبرامج التنمية الحضرية في المملكة، لكنه يواجه في الوقت نفسه آثاراً غير مباشرة للتوترات الجيوسياسية التي رفعت تكاليف الشحن والنقل ومدخلات الإنتاج خلال الأشهر الماضية.
وتواصل الحكومة السعودية تنفيذ مجموعة واسعة من المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، وهو ما يدعم تدفق الطلبات الجديدة ويعزز ثقة الشركات بآفاق النشاط المستقبلي. وأظهرت نتائج مسح “الراجحي المالية” أن نحو 30% من الشركات المشاركة تتوقع زيادة النشاط خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل 16% فقط تتوقع تراجعاً.
ومع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول الحجم السنوي لقطاع المقاولات إلى نحو تريليون ريال بين عامي 2025 و2030، يبدو أن قطاع الإنشاءات السعودي مقبل على دورة نمو طويلة الأمد. إلا أن الحفاظ على مستويات الربحية سيعتمد بصورة متزايدة على كفاءة إدارة التكاليف وسلاسل الإمداد، في سوق تشهد واحدة من أكبر موجات البناء والاستثمار في تاريخ المملكة الحديث.
3 عوامل وراء ارتفاع تكاليف البناء
في مقابلة مع “الشرق”، أشار الرئيس التنفيذي لشركة تمام العقارية طارق المرشدي، إلى ثلاثة عوامل تقف وراء ارتفاع تكاليف البناء وهي: زيادة أسعار الديزل التي رفعت تكاليف النقل، والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأميركية الإيرانية وما نتج عنها من ضغوط على سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العمالة النظامية نتيجة الالتزام بمتطلبات تنظيمية تشمل توفير السكن الملائم للعمالة، والتأمين الصحي، وتطبيق اشتراطات السلامة المهنية.






