ناجي الخوري
في بلد مثل لبنان، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التحولات الاجتماعية والسياسية بشكل مستمر، يصبح أي حدث عالمي كبير أكثر من مجرد مناسبة رياضية عابرة، بل يتحول إلى ظاهرة اجتماعية – اقتصادية لها انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على سلوك الأفراد وحركة السوق.
ومن بين هذه الأحداث، يبرز كأس العالم لكرة القدم كأحد أكثر الظواهر قدرة على اختراق الحياة اليومية للبنانيين، رغم أن البلاد ليست طرفاً في التنظيم ولا تمتلك حضوراً تنافسياً دائماً في البطولة. مع ذلك، فإن المونديال في لبنان لا يُقاس بعدد المباريات أو المنتخبات، بل يُقاس بمدى قدرته على تحريك الشارع، تنشيط الاستهلاك، وإعادة تشكيل المزاج العام ولو لفترة قصيرة.
فمنذ انطلاق كأس العالم كأكبر حدث كروي عالمي، لم يعد تأثيره محصوراً داخل الملاعب أو الدول المضيفة، بل أصبح حدثاً اقتصادياً عابراً للحدود، يمتد تأثيره إلى أسواق الإعلام، الإعلانات، السياحة، وحتى أنماط الاستهلاك اليومية. أما في الحالة اللبنانية تحديداً، يأخذ هذا التأثير طابعاً خاصاً، لأنه يصطدم مع اقتصاد يعاني من انكماش مزمن، وتضخم مرتفع، وتراجع في القدرة الشرائية، ما يجعل أي موجة استهلاكية، حتى لو كانت قصيرة، تبدو أكثر وضوحاً من غيرها.
فخلال فترة كأس العالم، تتحول المقاهي والمطاعم في مختلف المناطق اللبنانية إلى مساحات عرض جماعي للمباريات، وكأنها بدائل عن الملاعب نفسها. تحول ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل هو في جوهره حركة اقتصادية صغيرة لكنها كثيفة، تعيد ضخ بعض السيولة في قطاعات تعاني عادة من الركود. فزيادة الطلب على الجلوس في المقاهي، ارتفاع استهلاك المشروبات والوجبات السريعة، وتنظيم عروض خاصة للمباريات، كلها عناصر تخلق دورة اقتصادية قصيرة العمر لكنها نشطة.
مع ذلك، فإن هذه الدورة تبقى مرتبطة بشكل وثيق بعامل الاستقرار الأمني والسياسي، وبمستوى الدخل المتاح للأسر، ما يجعلها غير قابلة للتحول إلى نمو مستدام.
على مستوى آخر، يلعب الإعلام اللبناني دوراً محورياً في تضخيم الأثر الاقتصادي للمونديال، من خلال تغطية موسعة، وبرامج تحليلية، وحملات إعلانية تستهدف الجمهور الرياضي العريض. ففي هذه الفترة تحديداً، ترتفع نسب المشاهدة بشكل ملحوظ، ما يدفع بعض الشركات إلى إعادة توجيه ميزانياتها الإعلانية نحو القنوات والمنصات الرياضية. إلا أن هذا الانتعاش الإعلامي يبقى موسمياً بطبيعته، سرعان ما يتراجع بانتهاء البطولة، ما يعكس هشاشة سوق الإعلان المحلي واعتماده الكبير على المناسبات الكبرى بدلاً من الاستمرارية.
أما من زاوية الاستهلاك الفردي، فإن كأس العالم في لبنان يعكس نوعاً خاصاً من السلوك الاقتصادي يمكن وصفه بـ”الاستهلاك العاطفي”. فحتى في ظل الضغوط المعيشية، يميل جزء من السكان إلى تخصيص جزء من إنفاقهم لمتابعة البطولة، سواء عبر الاشتراكات في خدمات البث، أو شراء الرموز الرياضية، أو المشاركة في تجمعات مشاهدة المباريات.
استهلاك لا يُحدث تغييراً جذرياً في المؤشرات الاقتصادية الكلية، لكنه يكشف عن قدرة الأحداث الرياضية على خلق لحظات استثنائية من الإنفاق غير الضروري، المدفوع بالحماس والانتماء أكثر من الحاجة.
اما في السياق السياحي الداخلي، يمكن رصد بعض التحركات المحدودة، حيث يفضل البعض مشاهدة المباريات في مناطق جبلية أو ساحلية، ما ينعش جزئياً الفنادق الصغيرة والشاليهات والمطاعم المحلية. لكن هذا النشاط يظل محدوداً بسبب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التنقل والإقامة، ما يجعل أثره أقل بكثير من تأثيره في دول ذات بنية اقتصادية أكثر استقراراً.
هكذا، ورغم كل هذه التحركات، يبقى الأثر الأعمق لكأس العالم في لبنان نفسياً واجتماعياً أكثر منه اقتصادياً. فالبطولة تخلق حالة من “التنفس الجماعي المؤقت” داخل مجتمع مثقل بالأزمات، حيث تتراجع الضغوط اليومية لصالح لحظات من الترفيه الجماعي، وتتحول الشوارع والمقاهي إلى مساحات تفاعل اجتماعي مكثف.
حالة تترك انطباعاً بوجود انتعاش اقتصادي، لكنه في الحقيقة انتعاش مؤقت ومحدود التأثير على بنية الاقتصاد العام.
عليه، يمكن القول إن كأس العالم في لبنان يمثل نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد الموسمي العاطفي”، حيث تتداخل الرياضة مع الاستهلاك، والإعلام مع السوق، والمزاج العام مع الحركة التجارية، اقتصاد، بلا امتداد زمني طويل، يعتمد على لحظة عالمية استثنائية، وينتهي بانتهائها، ليعود الاقتصاد المحلي إلى واقعه المعقد والمتعب كما كان.







