في العام 1953، حينما غادر الرئيس الأميركي الأسبق، هاري ترومان منصبه لم يكن يمتلك سيارة خاصة، فاضطر برفقة زوجته السفر إلى مسقط رأسه بولاية “ميزوي” عبر القطار في مشهد تاريخي ذي دلالة. وقتها، لم يكن الرؤساء السابقون يتقاضون معاشا تقاعديا، فيما كان هو يحصل على معاشه من الجيش الذي خدم فيه سابقاً.
رغم ذلك رفض ترومان القبول بأي وظيفة خاصة اتقاءً لشُبهة التربح أو الاستغلال التجاري وقال: “لم يكونوا مهتمين بتوظيف شخص هاري ترومان، بل كانوا يريدون توظيف الرئيس السابق للولايات المتحدة”.
في أبريل من العام 2025، دعا الرئيس الأميركي، القادم من عالم “البيزنس”، دونالد ترمب، المستثمرين إلى “شراء الأسهم الآن”، في تصريح لافت ومثير أعقب موجة هبوط حادة في “وول ستريت” نتيجة حرب الرسوم الجمركية. تزامن ذلك مع تقارير عدة تفيد بحدوث تداولات مكثفة لمحافظ استثمارية مملوكة بشكل مباشر أو غير مباشر لدوائر مقربة من الرئيس في الإدارة الأميركية، وبعض موظفي البيت الأبيض.
يرسم المشهدان منحنى كاشفاً لطبيعة علاقة رئيس أكبر دولة في العالم بالثروة، ومدى تداخل وتشابك السلطة والمال، وكيف كانت الخطوط الفاصلة بين كليهما أكثر وضوحاً، ثم بدأت في التلاشي شيئاً فشيئاً.
مع عودة ترمب الصاخبة إلى البيت الأبيض في يناير 2025، اشتعل جدل واسع داخل المؤسسات الرقابية والإعلامية والتشريعية وخبراء الأخلاقيات في الولايات المتحدة نتيجة تصاعد المخاوف بشأن تضارب المصالح، وهي مخاوف أثارتها شبهات قوية حول تعاملات مالية قام بها أشخاص نافذون في دائرة الحكم في توقيتات بالغة الحساسية، وعززتها الصفقات الاستثمارية المرتبطة بالرئيس ذاته وأفراد أسرته، فضلا عن صفقات غامضة ارتبطت بتحركات عسكرية خارج الأراضي الأميركية، جنى من خلالها “متداولون ما” مئات الملايين في وقت قياسي.
هذه الشبكة الواسعة والمتداخلة من المصالح المنسوبة لأصحاب النفوذ كانت وراء ارتفاع وتيرة التحذيرات من “رأسمالية المحظيين” أو “insider capitalism”، وهو مصطلح تم صكّه خصيصا للإشارة إلى تداولات بعض المسؤولين الذين ربما استغلوا قربهم من عملية صنع القرار في إفادة أنفسهم أو أقاربهم ماليا، بناء على معلومات داخلية، في تطبيق عملي لما أطلق عليه “رأسمالية المحاسيب” بتعبير أستاذ الاقتصاد المصري الدكتور محمود عبد الفضيل.
“يوم التحرير”.. تداولات رجال الرئيس تثير الشبهات
البداية كانت في الثاني من أبريل 2025، حينما أعلن ترمب، فرض رسوم جمركية عنيفة على الشركاء التجاريين، في خطوة أشعلت حرباً تجارياً مبكرة.
بمجرد الإعلان عن تلك الرسوم شهدت أسهم “وول ستريت” موجة بيع عنيفة محت نحو 2.4 تريليون دولار من القيمة السوقية للشركات المدرجة على مؤشر “إس آند بي 500″، في أكبر خسارة يومية منذ انهيار الأسواق خلال جائحة كوفيد. بعدها بأيام قليلة، وتحديدا في 9 أبريل، علّق ترمب تعليق معظم رسومه لمدة ثلاثة أشهر، فعادت الأسهم للارتفاع بقوة، وقفز المؤشر بأكثر من 9%.
قبل ساعات من تعليق الرسوم، وبينما كانت الأسهم لا تزال في المنطقة الحمراء، كتب ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال”: “هذا وقت رائع للشراء!!!”.. أعقب تلك الرسالة ارتفاع أسهم الشركة بنسبة 22% تقريباً.
على إثر هذا المنشور، دعا السيناتور آدم شيف، وهو ديمقراطي من كاليفورنيا، إلى إجراء تحقيق في منشور ترمب، معتبراً إياه دليلاً محتملاً على التداول بناءً على معلومات داخلية أو تلاعب بالسوق.
البيانات المتاحة تُظهر أن الصورة لم تخلُ من تحركات مثيرة للتساؤلات في أقل تقدير، خاصة حينما نعلم أن أكثر من اثني عشر مسؤولا أميركيا تخلصوا من أسهم امتلكوها قبيل الإعلان الأول عن تعريفات ترمب، بحسب تحليل استقصائي أجرته منصة “بروبابليكا”، وهي منظمة صحافة استقصائية غير ربحية مقرها نيويورك.
ورغم أن المعطيات تشير إلى عدم وجود مخالفة مباشرة للقوانين، لكن هذه التداولات أشعلت مخاوف خبراء الأخلاقيات بشأن تضارب المصالح.
قبل إقالتها في أبريل الماضي، باعت بام بوندي التي شغلت منصب المدعى العام الأميركي، أسهما في شركة “ترمب ميديا” (Trump Media) بقيمة تراوحت بين مليون إلى 5 ملايين دولار في 2 أبريل، قبل إعلان ترامب لتعريفاته وبعد إغلاق السوق مباشرة.
لم تكن المشكلة في عملية البيع بذاتها، لكن الاتفاق الأخلاقي (Ethics Agreement) الذي يوقع عليه المسؤولون الحكوميون قبل استلام مناصبهم منعا تضارب المصالح، كان يلزمها بالبيع بحلول أوائل مايو، ما يعني أنها تخلصت من الأسهم قبل الموعد الرسمي بشهر، وقبل ساعات من فرض الرسوم الجمركية.
أما شون دافي، وزير النقل في إدارة ترمب، فقد تخلص من أسهمه في نحو 30 شركة بتاريخ 11 فبراير 2025، أي قبل يومين من توجيه الرئيس لإدارته ببدء دراسة فكرة “الرسوم الجمركية المتبادلة”، وفقا لـ”بروبابليكا”.
كما باعت ستيفاني سايبتاك-رامناث، وهي مسؤولة بارزة بوزارة الخارجية، أصبحت فيما بعد سفيرة في بيرو، أسهماً تصل إلى 650 ألف دولار في 24 و25 مارس من العام ذاته، واشترت ما يصل إلى 650 ألف دولار في صناديق السندات وأذون الخزانة، إضافة إلى ما بين 50 ألف و 100 ألف دولار في الأسهم، ثم قامت في 31 مارس، أي قبل يومين من إعلان ترامب لتعريفاته، ببيع ما يصل إلى 50 ألف دولار من صندوق الأسهم العام. وعندما بدأت السوق في الانخفاض، اشترت بنفس المبلغ مرة أخرى في صندوق أسهم آخر. ووفقا لتصريحاتها فإن تلك الصفقات حدثت بسبب “التزامات عائلية”، ولم تكن بناء على أي معلومات داخلية.
لا توجد أدلة على أن الصفقات التي رصدتها “بروبابليكا” تمت بناءً على معلومات غير عامة، لكن تايلر جيلاسش، وهو مدير لمنظمة “هيلثي ماركت أسوسيشن” (Healthy Markets Association) يرى أنه “حينما يتداول المسؤولون الحكوميون الأسهم في أوقات مناسبة، حتى لو كان ذلك مجرد صدفة أو (ضربة حظ)، وليس معلومات داخلية، فإن ذلك يقوض الثقة في الحكومة والأسواق
تساؤلات حول ستيفن ميلر وهيغسيث
وبعيدا عن “يوم التحرير”، فقد امتدت قائمة التداولات، كذلك، إلى مسؤولين أكثر قربا من الرئيس، فوفقا لما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، قام نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، أحد أكثر حلفاء ترمب ولاءً، ستيفن ميلر ببيع أسهم في شركة التعدين “إم بي ماتريالز” (MP Materials) بقيمة وصلت إلى 100 ألف دولار، وذلك بعد أن وافقت الحكومة في يوليو الماضي على استثمار 400 مليون دولار في الشركة مقابل حصة 15% والتزام بشراء منتجاتها.
في اليوم السابق للإعلان عن الصفقة، كان سعر السهم عند 30.03 دولاراً. وفي اليوم التالي، ارتفع إلى 45.23 دولاراً قبل أن يصل إلى أعلى مستوى تاريخي عند 76.58 دولاراً في 14 أغسطس، وهو التاريخ الذي باع فيه “ميلر” أسهمه.
وعلقت أبيغيل جاكسون، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان آنذاك بأنه “لا توجد أي تضاربات مصالح”، موضحة أن “ميلر” “قام بتصفية جميع حيازاته من الأسهم في وقت مبكر من عمر الإدارة، وذلك بشكل استباقي وبالتنسيق مع مكتب أخلاقيات الحكومة”.
وبالانتقال إلى اندلاع حرب إيران، كانت هناك تساؤلات حول وزير الدفاع بيت هيغسيث، حيث كشفت صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن سمسارا يعمل لصالح الوزير حاول إجراء استثمار ضخم في شركات دفاعية كبرى في الأسابيع التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
بحسب الصحيفة فقد تواصل وسيط هيغسيث في بنك “مورغان ستانلي” مع شركة “بلاك روك” في شهر فبراير بشأن ضخ استثمار بملايين الدولارات في صندوق المؤشرات المتداول النشط للصناعات الدفاعية التابع لشركة إدارة الأصول.
تشمل أكبر حيازات هذا الصندوق أسماء شركات دفاعية كبرى مثل “آر تي إكس”، و”لوكهيد مارتن”، و”نورثروب غرومان” و”بلانتير”، وهي من أكثر الشركات التي شهدت أسهمها زخما واضحا خلال فترة الحرب.
وقالت الصحيفة إنه لم يتم المضي قدماً في عملية الاستثمار، لأن الصندوق لم يكن متاحاً بعد لعملاء “مورغان ستانلي”. غير أن المتحدث باسم البنتاغون نفى الأمر ووصفه بأنه “كاذب تماما ومختلق”.
أستاذة القانون بكلية الحقوق بجامعة واشنطن آند لي، كارين وودي، والمتخصصة في العمل على قوانين أسواق المال، قالت لـ”الشرق” إن “حقبة ترمب كشفت عن قدر أكبر بكثير من الفساد المرتبط بالمسؤولين الحكوميين مقارنة بما رأيناه سابقا”.
وأوضحت أن التداول بناءً على معلومات داخلية يُعد، من نواحٍ كثيرة، شكلًا من أشكال الفساد، مضيفة أنه “في السنوات الأخيرة يبدو أن هناك المزيد من الوسائل لاستخدام المعلومات الجوهرية غير العامة، مثل أسواق التنبؤ”.
ورغم أن التداول بناء على معلومات داخلية موجود وقائم منذ عقود، إذ تم الكشف عن تورط شخصيات حكومية بارزة في فضائح تداول داخلي، لكن يبدو، وفقا لـ”وودي” أن هناك استعدادًا أكبر لتجاوز القواعد من جانب بعض أعضاء الإدارة الحالية.
نانسي بيلوسي تتصدر تداولات أعضاء الكونغرس
من غير المُنصف القول إن الشبهات والتساؤلات بشأن تضارب المصالح وتداولات المسؤولين وأصحاب السلطة كانت وليدة لحظة فوز ترمب أو تزامنت مع عودته إلى البيت الأبيض، فالأمر مثال جدل دائم منذ عقود.
لكن الفارق الجوهري بين ما كان وما هو قائم حاليا برعاية الرئيس، يتمثل في التداعيات الكبيرة لشكل وطريقة وكثافة التداولات الأخيرة، فضلا عن نزع “الغلاف الأخلاقي”، لدولة لطالما تم الترويج لها باعتبارها نموذجا للمسائلة والمحاسبة والشفافية، وقبل هذا وذاك، إسهامها في فقدان ثقة الناخبين في الإدارة المنتخبة.
وفي رأي تايلر جيلاسش، فإن السلطة التنفيذية أصبحت منخرطة بشكل اعتيادي في أنشطة تؤثر على الأسواق، وأكد أنه من غير الطبيعي أن يقوم أعضاء الكونغرس أو مسؤولي السلطة التنفيذية بتداول الأوراق المالية بأنفسهم، مشددا على أهمية إدارة استثماراتهم عبر طرف خارجي مستقل تماماً عن مجال عملهم.
تشير البيانات المتاحة، إلى أن هناك ما لا يقل عن 50 عضواً في الكونغرس أو أفراد عائلاتهم يمتلكون أسهماً في شركات المقاولات الدفاعية، وهي شركات تتلقى مئات المليارات من الدولارات سنوياً عبر تشريعات يقرها الكونغرس نفسه، بحسب تحليل أجرته منصة “سلادج” (Sludge) المعنية بتتبع المال السياسي.
ليس ذلك فحسب، بل إن قطب الحزب الديموقراطي نانسي بيلوسي، وهي أول امرأة في أميركا تتولي رئاسة مجلس النواب، كانت نموذجا بارزا للجدل المثار بشأن تصاعد “تداولات المطلعين”، إذ نمت ثروتها بشكل كبير مع توسع نفوذها، وكانت تداولات زوجها، المستثمر بول بيلوسي، مربحة للغاية، لدرجة أن هناك تطبيقات تداول إلكترونية شهيرة ومنها تطبيق “بيلوسي تراكر” (Pelosi Tracker) باتت تتبع استثمارات العائلة وتسمح للمستخدمين بمحاكاتها.
على مدار 3 سنوات بلغت قيمة تداولات “بيلوسي” 56.9 مليون دولار، وفق منصة “كابيتول تريدس”(Capitol Trades). وفي يناير 2025، أفادت “بيلوسي” بأن زوجها تداول أسهما بقيمة تصل إلى 38.6 مليون دولار.
“بيلوسي” ليست وحدها، فقد برز النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا رو خانا كأحد أبرز المتفوقين في أداء تداولات أعضاء الكونغرس، خصوصا في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، متجاوزا مؤشر S&P 500، وفقًا لما ذكرته “بلومبرغ”.
وبحسب تحليل صادر عن منصة “بروكاب إنسايتس” (ProCap Insights)، وهي منصة بحث مالي متخصصة في تتبع وتحليل إفصاحات تداولات أعضاء الكونغرس، فقد حققت محفظة “خانا” عائدا إضافيا يُقدر بنحو 112.1% فوق أداء مؤشر S&P 500 خلال الفترة من يناير 2024 حتى أبريل الماضي.
وفقاً لأستاذة القانون “وودي”، فإن القانون الأميركي يُقر بأن المستثمرين لا يملكون جميعا القدر نفسه من المعلومات، وأن اختلاف مستويات المعرفة وإمكانية الوصول إلى المعلومات أمر طبيعي في الأسواق المالية. لذلك، لا تستند المساءلة القانونية بالضرورة – سواء كان ذلك جيدا أم لا – إلى فكرة المساواة الكاملة في إتاحة المعلومات للجميع.
وتضيف: مع ذلك، فإن منع المسؤولين الحكوميين من التداول اعتمادا على المعلومات التي يحصلون عليها بحكم مناصبهم قد يكون خطوة مهمة لمعالجة هذه الإشكالية، مؤكدة في الوقت ذاته دعمها الكامل لفكرة فرض حظر كامل على تداول الأسهم الفردية بالنسبة للمسؤولين الفيدراليين وأعضاء الكونغرس.
أسواق التنبؤات رأس الحربة ونجل الرئيس شريك رئيسي
في الساعات التي سبقت الضربة الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط الماضي، حققت 6 محافظ أنشئت حديثا على منصة “بولي ماركت”، وهي من أكبر منصات أسواق التنبؤات، أرباحا إجمالية بلغت نحو 1.2 مليون دولار، عبر شراء عقود “نعم” على سؤال: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران بحلول 28 فبراير، بأسعار منخفضة وصلت إلى 10 سنتات.
أجرى أحد الحسابات المجهولة أول صفقة له قبل 71 دقيقة فقط من انتشار الخبر، عندما كانت الأسواق تشير إلى احتمال ضئيل للضربة بنسبة 17% فقط. وعندما حُسمت الإجابة بـ”نعم” بلغ إجمالي أرباح الحساب حوالي 553 ألف دولار.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فقبل شهرين، حقق حساب مستعار على نفس المنصة أرباحاً تجاوزت حاجز 400 ألف دولار في عقود مرتبطة بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث وضع أكبر صفقاته قبل ساعات فقط من الإعلان الرسمي عن العملية العسكرية السرية.
لاحقاً، وقبل أيام تم القبض على صاحب الحساب، الذي اتضح أنه جندي أميركي شارك في عملية القبض على الرئيس مادورو، وتم توجيه تهمة استغلال معلومات سرية لتحقيق أرباح عبر منصة التنبؤ.
هاتان الحالتان على وجه التحديد كانتا مثالا بارزا على الدور الخطير والصعود المتنامي الذي أصبح عليه شركات “التنبؤات”، وهي منصات متخصصة في الرهان على الأحداث المستقبلية.
لا يمكن فصل التوسع الكبير لأسواق التنبؤات عن ظهور الرئيس ترمب في البيت الأبيض مع دورته الأولى، فقد تأسست منصة” كالشي”، عام 2018، وهي منذ عام 2020 تعمل وفقا للقانون الأميركي بعد حصولها على موافقة هيئة تداول السلع الآجلة (CFTC) كمنصة منظمة لعقود الأحداث، التي تعاملت معها الهيئة باعتبارها عقود مشتقات.
أما منصة “بولي ماركت” فقد تأسست عام 2020، لكنها لم تكن تعمل بشكل قانوني على نحو كامل، ثم واجهت غرامة في 2022 قيمتها 1.4 مليون دولار لعدم تسجيلها كسوق عقود، لتخرج من السوق الأميركية، قبل أن تبدأ في 2025 في العودة تدريجيًا عبر هيكل مرخص ومنظم بعد إعادة هيكلة قانونية
وفقًا لشركة “أرتيميس أناليتيكس”(Artemis Analytics) فقد ارتفع حجم التداول في أسواق التنبؤات بشكل كبير خلال انتخابات 2024، وزاد بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، حيث ينفق المستخدمون حول العالم الآن أكثر من 5 مليارات دولار أسبوعيا على هذه المنصات.
وفي إشارة على الصلة القوية بين شركات التنبؤات وصفقات “التداول بناء على معلومات داخلية”، تكشف منصة “ديون أناليتكس” عن طفرة في الرهانات على الأحداث العالمية، إذ أصبحت فئة “الجيوبوليتيكس” أو “الجغرافيا السياسية” من بين الأكثر شعبية على منصة “بولي ماركت”، حيث بلغ إجمالي الرهانات 560 مليون دولار خلال الأسبوع المنتهي في 6 أبريل، مُقارنةً بنحو 100 مليون دولار في الأسبوع الأول من العام، ما يعني أنها تضاعفت خمس مرات.
جامعة “هاردفارد” أعدت مؤخرا ورقة بحثية عنوانها: “من إيران إلى تايلور سويفت: التداول المبني على معلومات في أسواق التنبؤ”، قامت خلالها بفحص جميع عقود منصة “بولي ماركت” في الفترة ما بين فبراير 2024 حتى فبراير 2026، توصلت فيها إلى أن إجمالي الأرباح “غير الطبيعية” التي حققها متداولون عبر تلك المنصة بلغ 143 مليون دولار، في أقل تقدير، خلال فترة الدراسة.
واعتبرت الورقة أن حالات الاشتباه السابقة عبر منصات التنبؤ، لم تكن مجرد قصص عابرة، بل تمثل تحدياً منهجياً للأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم استخدام المعلومات الداخلية المرتبطة بالتداول في الأدوات التقليدية مثل الأسهم والسندات والعقود الآجلة، معتبرة إياها “أماكن جذابة بشكل فريد” لاستغلال تلك المعلومات، وتحقيق أرباحا عبر سرقة أسرار حكومية.
تداولات غامضة على وقع حرب إيران
الواقع يؤكد أن ازدهار تلك المنصات ارتبط بالنشاط المالي لعائلة ترمب، وتحديدا نجل الرئيس الأكبر، دونالد ترمب جونيور، الذي يعمل مستشارا بأجر لشركة “كالشي”، كما يستثمر في شركة “بولي ماركت” عبر شركة رأس المال الجريء “1789 Capital” التي يُعد شريكًا فيها، إضافة إلى عمله كمستشار دون أجر لها. يحدث ذلك فيما تستعد شركة “ترمب ميديا” لإطلاق منصة جديدة لتداول عقود التنبؤ تحت اسم “تروث بريديكت”.
وفي تصريحات صحفية، نفى أندرو سورابيان، المتحدث باسم ترمب الابن وجود تضارب مصالح، موضحا أن نجل الرئيس لا يتداول في أسواق التنبؤ، وأن دوره مع الشركتين يقتصر على تقديم المشورة بشأن استراتيجيات التسويق، وشدد على أنه لم يتواصل مع الحكومة الفيدرالية نيابة عن أي من الشركتين.
اللافت في الأمر، أن الرئيس ترمب بنفسه هاجم قبل أيام هذه المنصات، في ظل تزايد التساؤلات بشأن التداولات المشبوهة، واشتكى من أن “العالم بأسره أصبح، للأسف، أشبه بكازينو”. هذا الهجوم بعد شهر من تحذير البيت الأبيض لموظفيه من التداول بناءً على معلومات داخلية، في ظل ارتفاع التداولات المشبوهة في أسواق التنبؤات وعقود النفط والأسهم المرتبطة بتطورات النزاعات.
ما حدث في شركات التنبؤات صاحبه أيضا تداولات مشبوهة في بورصة العقود الآجلة، ارتبطت بشكل وثيق بمواعيد دقيقة لها علاقة بتأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، والهدنة التي أعلنها الرئيس الأميركي بعد ذلك.
وفقا لوكالة “بلومبرغ” فإنه سوق النفط شهدت تقلبات حادة منذ بدء الحرب الإيرانية، حيث تم رصد تنفيذ صفقات في توقيت مثالي حققت أرباحاً مليارية للمتداولين، إذ كانت التداولات تتم قبل دقائق من منشورات تحمل تطورات سياسية كبرى للرئيس ترمب.
مؤخرا نقلت شبكة “إيه بي سي نيوز” عن مصادر قولها إن وزارة العدل الأميركية وهيئة تداول السلع الآجلة تحققان في صفقات نفطية مشبوهة تجاوزت قيمتها 2.6 مليار دولار، مرتبطة بحرب إيران، وسط شبهات حول استغلال معلومات غير معلنة للتربح من تقلبات أسعار النفط.
تشريعات وقوانين.. قيود من حرير
بقدر ما تشير التداولات المشبوهة إلى تضارب المصالح، فإنها تكشف أيضا عن خلل هيكلي في القوانين والتشريعات المُنظمة.
حتى العام 2012، لم يكن هناك نص صريح وواضح يقول إن أعضاء الكونغرس وموظفيهم يخضعون مباشرة لقوانين التداولات الداخلية، بنفس الطريقة المطبقة على المسؤولين التنفيذيين في الشركات، حتى تم إقرار قانون “ستوك أكت” (Stop Trading on Congressional Knowledge Act) المعروف اختصارا باسم stock act.
مع تطبيقه أصبح القانون هو التشريع الرئيسي فيما يتعلق بضوابط التداولات، حيث أضاف بنودا لم تكن موجودة من قبل، أهمها إلزام أعضاء الكونغرس والمسؤولين الفيدراليين بتقديم إفصاحات مالية عن تداولاتهم بالأسهم خلال 45 يوما كحد أقصى، بعدما كان في السابق يُطلب منهم تقديم إفصاحات سنوية فقط، كما وضع عقوبات جديدة على الأعضاء الذين يستخدمون المعلومات للتداول الداخلي.
ولكن هناك مشكلة رئيسية في هذا التشريع، وهي أن عقوبة انتهاكه لا تتجاوز 200 دولار، وهي عقوبة أثارت سخرية الكثيرين، كونها لا تشكل أي رادع، فضلا عن ذلك فإن القانون لا يمنع المسؤولين من التداول. ونتيجة لهذا الضعف التشريعي، زادت التحركات مؤخرا داخل الكونغرس لإقرار تشريعات أكثر جدية وصرامة.
الآن هناك 3 مشروعات لقوانين داخل الكونغرس، لكن أكثرها جدية وصرامة وتأييدا، هو مشروع قانون “استعادة الثقة في الكونغرس” (Restore Trust in Congress Act) المدعوم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ينص صراحة على حظر تداول الأسهم نهائياً من قبل أعضاء الكونغرس وعائلاتهم، ويفرض قيودا صارمة تُجبرهم على وضع أصولهم الاستثمارية والخلفية فيما يسمي بـ”صناديق الاستثمار العمياء” طوال فترة خدمتهم، وهي صناديق ستمنع المسؤولين من معرفة مكونات محافظهم الاستثمارية.
لم ير هذا المشروع النور حتى الآن، بسبب تحديات ونقاط خلافية لم تحسم بعد، أبرزها رفض عدد من معارضيه في الكونغرس فكرة الحظر التام من امتلاك الأسهم، لكن في المقابل هناك آمال وطموحات ورهان كبير من جانب كثيرين عليه. ويرى مركز الحملة القانونية (CLC)، وهو منظمة قانونية أميركية غير حزبية، أن هذا المشروع قد يُقدم مساراً لإصلاحات حيوية يمكنها إعادة بناء ثقة الجمهور في الحكومة الفيدرالية، معتبراً إياه حلا عابرا للأحزاب.




