تزيد التوترات الجيوسياسية حالياً صعوبة تخفيف حر الصيف القاسي على سكان الهند، البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة، لكن الأسوأ ربما لم يأتِ بعد.
الآن، تتمثل الأزمة في مشروب “دايت كوكا كولا”. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات الألمنيوم من مصاهر الخليج العربي، الذي يمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية خارج الصين. وانعكس ذلك مباشرة على شركات المشروبات في الهند، حيث تُباع المشروبات الغازية حصراً تقريباً في عبوات معدنية، ما أطلق موجة من السلوكيات الاستهلاكية غير التقليدية.
فمع اقتراب درجات الحرارة من 49 درجة مئوية، بدأت مطاعم وحانات في تنظيم “حفلات دايت كوك”، يدفع المشاركون فيها ما يصل إلى 16 دولاراً مقابل كوكتيلات كولا ممزوجة بفلفل الهالبينو، وأنشطة للرسم على القمصان، وسحوبات على عبوات نادرة من المشروب باعتبارها جوائز.
ما دخل الطاقة النظيفة؟
لكن خلف هذا المشهد الطريف تكمن مشكلة أكثر خطورة، فأكثر الجهود العالمية تنظيماً لحماية الأسر والشركات من تداعيات الفوضى المتصاعدة في الشرق الأوسط، تتمثل في التحول واسع النطاق نحو الطاقة الكهربائية النظيفة.
ووفقاً لمركز الأبحاث “إمبر” (Ember)، المعني بملف التحول الطاقي، تجاوز توليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية إنتاج الغاز للمرة الأولى الشهر الماضي. كما ارتفعت صادرات الصين من الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية والبطاريات بنسبة 31% و75% و45% على التوالي منذ بداية العام، مع تسارع توجه المستهلكين عالمياً نحو مصادر الطاقة غير المعتمدة على النفط والغاز.
غير أن معظم هذه التقنيات الكهربائية يعتمد على الألمنيوم ذاته الذي بدأ يختفي من ثلاجات المتاجر الكبرى ومحال “كيرانا” المحلية في الهند.
وغالباً ما يُنظر إلى النحاس باعتباره المعدن الأهم في الاقتصاد الكهربائي، لكن الألمنيوم قد يكون أكثر أهمية عملياً. فبينما تُستخدم أسلاك النحاس داخل الأجهزة بسبب موصليتها الأعلى، يبقى الألمنيوم أقل تكلفة، ما يجعله الخيار المفضل لخطوط نقل الكهرباء لمسافات طويلة، وبصورة متزايدة في المحولات ومعدات التوزيع الكهربائي.
وبحسب شركة “ثندر سيد إنرجي” (Thunder Said Energy)، تستهلك شبكات الكهرباء العالمية ضعف كمية الألمنيوم تقريباً مقارنة بالنحاس.
الألمنيوم.. حل اختناق شبكات الكهرباء
هنا، يظهر التهديد الأكبر للتحول الطاقي. فقد حذر فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، من أن بطء تطوير شبكات الكهرباء يهدد مسار التحول إلى الطاقة النظيفة.
وأوضح العام الماضي أن نحو 1700 غيغاواط من قدرات الطاقة النظيفة أُنجزت بالفعل لكنها ما تزال عالقة في طوابير انتظار الربط بالشبكات، وهو ما يعادل نحو ثلث إجمالي منشآت الطاقة المتجددة المركبة عالمياً.
ويعتمد حل هذا الاختناق بدرجة كبيرة على توفر الألمنيوم. إذ قد تتجاوز تكلفة الأسلاك وحدها في خطوط نقل الكهرباء عالية الجهد 500 ألف دولار لكل ميل، بما يمثل أكثر من 10% من تكلفة المشروع الجديد، ويصل إلى 80% في بعض مشاريع التحديث.
وتواجه شركات تشغيل الشبكات بالفعل ضغوطاً متزايدة بفعل التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع توقع إنفاق 653 مليار دولار على مراكز البيانات خلال العام الجاري وحده. ويضيف ارتفاع أسعار الألمنيوم مزيداً من التعقيد إلى هذه التحديات.
فقد ارتفع سعر المعدن الأولي المتداول في بورصة لندن للمعادن بنحو 50% خلال العام الماضي إلى حوالي 3637 دولاراً للطن المتري. كما أشار “سيتي غروب” مؤخراً إلى أن آفاق سوق الألمنيوم تبدو الأكثر إيجابية منذ نصف قرن، مع احتمال ارتفاع الأسعار بنسبة إضافية تصل إلى 50% خلال العام المقبل.
خيارات بديلة محدودة لألمنيوم الخليج
لا تبدو هذه التوقعات بعيدة عن الواقع. فحتى مع إعادة فتح مضيق هرمز، لن يعود إنتاج الألمنيوم الخليجي سريعاً إلى مستوياته الطبيعية. إذ تعرضت شركة “الإمارات العالمية للألمنيوم“، أكبر منتج في المنطقة، لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ تسببت على ما يبدو في تجميد بعض الخلايا الكهربائية المستخدمة في صهر المعدن.
ويمثل ذلك سيناريو بالغ الخطورة يتطلب إعادة بناء أجزاء واسعة من خطوط الإنتاج، فيما تتوقع الشركة أن تستغرق عملية إعادة التشغيل ما يصل إلى 12 شهراً.
وفي الظروف الطبيعية، كان من الممكن أن يعوض قطاع المعادن الصيني جزءاً من هذا النقص. غير أن هذا الاحتمال يبدو محدوداً حالياً. فالصين تنتج نحو 60% من الألمنيوم العالمي، لكنها تستهلك معظم إنتاجها محلياً، بالتزامن مع تنفيذ خطط توسع ضخمة في الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء، إضافة إلى نقل ملايين الأطنان من طاقات الصهر إلى مواقع داخلية تعتمد على الطاقة النظيفة.
ويحد ذلك من قدرتها على إعادة التوازن إلى السوق العالمية عبر زيادة الصادرات.
حتى إندونيسيا، التي كان يُنظر إليها باعتبارها مصدراً محتملاً لتخفيف الضغوط، عبر إضافة قدرات صهر جديدة تعادل إنتاج الخليج البالغ 7.6 ملايين طن خلال السنوات المقبلة، أصبحت تبدو خياراً أكثر تعقيداً.
فقد أعلنت الحكومة هذا الأسبوع خططاً لمنح صندوق الثروة السيادي “داناتارا” السيطرة على صادرات زيت النخيل والفحم والنيكل، وهي سياسات قد تُضعف جاذبية الاستثمارات الأجنبية اللازمة لبناء المصانع الجديدة. كما أن النهج الاقتصادي للرئيس برابوو سوبيانتو قد يدفع نحو تخصيص مزيد من المعدن للصناعات المحلية، بما يقلص الإمدادات المتاحة للأسواق العالمية.
كل ذلك يهدد بإبطاء التحول الطاقي العالمي في وقت يتطلب فيه العالم تسريع هذا التحول لا تعطيله. وإذا كنت تبحث عن وسيلة لمواجهة موجات الحر القاسية في السنوات المقبلة، فقد لا يكون من الحكمة الاعتماد الكامل على استقرار شبكة الكهرباء لتشغيل جهاز التكييف. وربما تصبح عبوة باردة من “دايت كوكا كوات” الخيار الأكثر واقعية.. إذا تمكنت من العثور عليها أساساً.




