لم يمر سوى أقل من 5 أشهر فقط، إلا أن عام 2026 سيظل علامة فارقة في ذاكرة التاريخ الإنساني؛ لم يشهد بداية الحرب على إيران إلا أنه كان الأكثر إثارة في مسارها وتأثيرها العالمي، وحتى ثورة الذكاء الاصطناعي لم تكن صنيعته، بينما كان شاهداً على طفرات في التقييمات تسببت في ميلاد عشرات المليارديرات الجدد، وقد يكون أول تريليونير في العالم من مواليد العام، حتى الابتكارات الجديدة تتقادم بسرعات خارقة… إذا فاتك التدرب على نموذج ذكاء اصطناعي معين يمكنك اللحاق بالابتكار الذي يليه.
ومع الطرح المرتقب لشركة “سبيس إكس” يبدو أن إيلون ماسك الرابح الأكبر في سباق الثروة، إلا أن عام 2026 سيخلد في الذاكرة باسم “عام الذاكرة”.
ففي عالم التكنولوجيا الذي يضج بقصص وادي السيليكون، تمر أسماء مثل جون تو وديفيد صن بهدوء لافت… رغم أنهما يقفان خلف واحدة من أهم الشركات التي لم نغادر منتجاتها حياتنا اليومية يوماً “كينغستون”.
لكن خلف هذه العلامة، تختبئ قصة أكثر تعقيداً من مجرد نجاح تقني، بدأت من الهجرة، مروراً بالإفلاس، وصولاً إلى إحدى أذكى صفقات البيع وإعادة الشراء في تاريخ الأعمال، ثم انفجار الثروة مجدداً في زمن الذكاء الاصطناعي.
بداية من الصفر.. مهاجران يخسران كل شيء
ولد جون تو في الصين عام 1941 ثم انتقل إلى تايوان قبل أن يشق طريقه لاحقاً إلى ألمانيا ومنها إلى الولايات المتحدة، حيث عمل في وظائف بسيطة لا تعكس مؤهلاته، من متجر هدايا إلى العقارات.
أما ديفيد صن، فغادر تايوان إلى أميركا عام 1977، حاملاً خلفية هندسية وطموحاً مماثلاً.
التقيا في لوس أنجلوس، وليس في غرفة اجتماعات بل في ملعب كرة سلة، حيث بدأت شراكة ستغير سوق الذاكرة عالمياً، وفقاً للسيرة الذاتية لهما كما أوردتها “بلومبرغ”، واطلعت عليها “العربية Business”.
قبل “Kingston”، أسسا شركة صغيرة للذاكرة وباعاها مقابل 6 ملايين دولار، لكن فرحتهما لم تدم طويلاً. ففي انهيار “الاثنين الأسود” عام 1987، تبخرت تقريباً كل مدخراتهما. وبدلاً من الانسحاب، قررا المجازفة مجدداً وفي توقيت يبدو للوهلة الأولى جنونياً.
ففي العام نفسه، كان العالم يواجه نقصاً حاداً في شرائح الذاكرة، وقرر الثنائي تصنيع وحدات ذاكرة بطريقة مختلفة باستخدام مكونات متوفرة. وهكذا تأسست Kingston عام 1987 من مرآب بسيط، لتقدم منتجاً سد فجوة حقيقية في السوق، وسرعان ما تحولت إلى معيار صناعي، بحسب ما ذكره موقع الشركة.
صفقة قلبت المعادلة
بحلول منتصف التسعينيات، كانت “كينغستون” قد تجاوزت حاجز المليار دولار مبيعات سنوية، لتصبح هدفاً مثالياً للاستحواذ.
وفي عام 1996، باع تو وصن 80% من الشركة لـ”سوفت بنك” مقابل نحو 1.5 مليار دولار.
بعد البيع، وزعا 100 مليون دولار مكافآت للموظفين في خطوة نادرة في عالم الشركات، لكن التقلبات الحادة في سوق الذاكرة ضغطت على الإيرادات والربحية واختلفت ظروف الصفقة من الناحية الاقتصادية التي أغرت “سوفت بنك” على الشراء، ما دفع الشريكين إلى إعادة التفاوض وخفض القيمة الفعلية للصفقة بعد تراجع الأداء.
مرونة تو وصن في التفاوض حافظت على علاقة ودية طويلة الأجل مع “سوفت بنك”، ومكنت الثنائي من إعادة شراء شركتهما مرة أخرى بعد ثلاث سنوات فقط، وفي 1999، اشتريا الحصة نفسها مقابل 450 مليون دولار فقط، بحسب “بلومبرغ”.
ومع ارتفاع الطلب على مراكز البيانات من جانب عمالقة التكنولوجيا، شهدت “كينغستون” عاماً قياسياً في الطلب على وحدات الذاكرة عززته الأزمات الجيوسياسية بالتأثير على سلاسل إمداد مدخلات إنتاج الصناعة.
ومنذ بداية العام وحتى نهاية الأسبوع الماضي، تتضاعفت ثروة تو وصن، حيث وصلت ثروة كل منهما إلى 75.6 مليار دولار وهو مستوى يقل قليلاً عن الرقم القياسي الذي حققه كل منها في الأسبوع السابق له عند 77.1 مليار دولار.
فبعد عقود من إدارة هادئة وشبه بعيدة عن الأضواء، عاد اسما تو وصن إلى الواجهة في 2026، ولكن هذه المرة عبر قوائم الأثرياء.
مع طفرة الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات، ارتفع الطلب بشكل هائل على مكونات الذاكرة، وهو ما وضع “كينغستون” في قلب “الدورة الذهبية” الجديدة.
“كينغستون” ليست مدرجة في البورصة وتتوزع ملكيتها بين تو وصن بالتساوي، وتحتسب “بلومبرغ” قيمتها بناء على بيانات تقديرية للإيرادات وضربها في مضاعف قيمة المنشأة.


