نجح باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في تطوير روبوت بحجم حشرة قادر على الطيران المتواصل لنحو 17 دقيقة، محققاً رقماً قياسياً غير مسبوق في عالم الروبوتات الدقيقة. وبينما لا يزال بعيداً عن كفاءة النحلة الطبيعية، يرى العلماء أن هذه التقنية قد تمهد يوماً لتلقيح المحاصيل في المزارع الذكية.
داخل أحد مختبرات MIT، حلق روبوت أصغر من مشبك الورق في الهواء لمدة تقارب 1000 ثانية دون توقف، في تجربة وصفها أحد الباحثين بأنها “أطول 1000 ثانية” في حياته. هذا الأداء يمثل قفزة هائلة في مجال عانى طويلاً من فجوة واضحة بين الآلات والكائنات الحية، وفقاً لما ذكره موقع “Eco Portal”، واطلعت عليه “العربية Business”.
فعلى مدار سنوات، فشلت الروبوتات بحجم الحشرات في الاقتراب من قدرات النحل، سواء من حيث مدة الطيران أو التحكم أو الاستقرار. لكن الجهاز الجديد غير هذه المعادلة، إذ تمكن من الطيران لأكثر من 100 مرة أطول من أي نموذج سابق، مع الحفاظ على دقة عالية، بل وتنفيذ حركات بهلوانية في الهواء دون فقدان السيطرة.
خلل في التصميم
لم تكن المشكلة في نقص المحاولات، بل في التصميم نفسه. فالنماذج السابقة اعتمدت على أجنحة متعددة تتسبب في تداخل تدفقات الهواء، ما يقلل من قوة الرفع ويضعف الأداء. المشكلة تفاقمت مع “العضلات الصناعية” التي تدير الأجنحة، إذ كانت تنحني تحت الضغط عند الترددات العالية، ما يؤدي إلى فقدان الكفاءة.
الاختراق الحقيقي جاء من فكرة بسيطة لكنها حاسمة: تقليل عدد الأجنحة إلى النصف.
في التصميم الجديد، يحمل كل جزء جناحاً واحداً موجهاً للخارج، ما يحسن تدفق الهواء ويمنع التداخل، ويزيد من قوة الرفع.
هذا التغيير لم يقتصر على تحسين الأداء فقط، بل أتاح أيضاً مساحة داخلية يمكن استخدامها مستقبلاً لتركيب بطاريات أو مستشعرات، وهي خطوة أساسية نحو تشغيل ذاتي كامل.
إلى جانب ذلك، أعاد الفريق تصميم أنظمة نقل الحركة بين الأجنحة والمشغلات، ما عزز المتانة وضاعف عزم التحكم ثلاث مرات، وهو ما أتاح الطيران الدقيق والحركات البهلوانية التي لم تكن ممكنة سابقاً.
أحد أكثر عناصر التصميم تعقيداً كان مفصل الجناح، الذي يبلغ طوله نحو 2 سم فقط، وقطره 200 ميكرون.
تصنيعه تطلب عملية دقيقة متعددة المراحل باستخدام القطع بالليزر، حيث إن أي انحراف بسيط كان كفيلاً بتشويه حركة الجناح بالكامل. وبعد محاولات عديدة، نجح الفريق في إتقان هذه التقنية.
بعيد عن النحلة.. لكن الفجوة تضيق
ورغم هذا التقدم، يؤكد الباحثون أن الروبوت لا يزال بعيداً عن قدرات النحل الحقيقي.
فالنحلة تعمل بجناحين فقط، لكنها تعتمد على نظام عضلي شديد التعقيد يسمح بضبط الحركة بدقة فورية، وهو أمر لم تتمكن الروبوتات من محاكاته حتى الآن.
كما أن الفجوة لا تقتصر على الطيران، بل تشمل أيضاً الإدراك الحسي والقدرة على اتخاذ القرار والتكيف مع البيئة، وهي عناصر أساسية لأي تطبيق عملي.
من المختبر إلى المزارع.. رؤية طويلة الأجل
الهدف النهائي لهذا المشروع يتجاوز مجرد تحقيق أرقام قياسية، إذ يطمح الفريق إلى نشر أسراب من “النحل الصناعي” لتلقيح المحاصيل داخل مزارع رأسية مغلقة عالية الكثافة.
مثل هذا النموذج الزراعي قد يرفع الإنتاجية ويقلل البصمة البيئية، لكنه يعتمد بشكل حاسم على إيجاد بديل موثوق للحشرات الطبيعية في عملية التلقيح.
ولهذا، يسعى الباحثون في المرحلة المقبلة إلى إطالة زمن الطيران إلى 10,000 ثانية (نحو 3 ساعات)، مع تحسين دقة الحركة بحيث يتمكن الروبوت من الهبوط في مركز زهرة واحدة بدقة.
كما يعمل الفريق على دمج مستشعرات وبطاريات وأنظمة حوسبة داخل الروبوت، بما يسمح له بالعمل بشكل مستقل في بيئات خارجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.



