أخبار اقتصادية

وثائق اكتتاب سبيس إكس تكشف عن ملياردير جديد من مؤسسي باي بال

كشفت شركة سبيس إكس عن خطوة جديدة ومفصلية في رحلتها نحو دخول أسواق المال، بعدما قدمت نشرة الطرح العام الأولي، وهي الوثيقة التنظيمية التي تُعد بمثابة الخريطة المالية والقانونية للشركة قبل إدراج أسهمها في البورصة، إذ تتضمن تفاصيل دقيقة حول هيكل الملكية، والأداء التشغيلي، وخطط النمو، والمخاطر المحتملة التي قد تواجه المستثمرين.

ولم تقتصر أهمية الوثيقة على كونها تمهد الطريق أمام أحد أكثر الاكتتابات المرتقبة في قطاع التكنولوجيا والفضاء، بل كشفت أيضًا عن مفاجآت تتعلق بثروات عدد من المستثمرين والشخصيات المرتبطة بالشركة، كان أبرزها تحول لوك نوزيك، عضو مجلس إدارة سبيس إكس وأحد المؤسسين المشاركين لمنصة الدفع الإلكتروني الشهيرة باي بال، إلى ملياردير رسميًا.

ويُعد نوزيك من الأسماء البارزة في سيليكون فالي، إذ لم يقتصر دوره على المشاركة في تأسيس باي بال، التي لعبت دورًا محوريًا في انتشار المدفوعات الرقمية عالميًا، بل شارك أيضًا في تأسيس شركتي الاستثمار الجريء Founders Fund وGigafund، المتخصصتين في ضخ استثمارات مبكرة داخل شركات التكنولوجيا الناشئة ذات النمو المرتفع.

وبحسب تقديرات فوربس، تبلغ ثروة نوزيك نحو 2.7 مليار دولار، مدفوعة بشكل رئيسي بحصته في سبيس إكس، والتي تُقدر بنحو 0.22%. ورغم أن هذه النسبة تبدو محدودة ظاهريًا، فإن القفزة الكبيرة في تقييم الشركة حولتها إلى أصل مالي ضخم بقيمة مليارات الدولارات.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على طبيعة الثروات المتولدة داخل قطاع التكنولوجيا المتقدمة، حيث يمكن لاستثمار مبكر في شركة ناشئة أن يتحول، مع مرور الوقت وارتفاع التقييمات، إلى ثروة هائلة، خصوصًا في الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والفضاء، والبنية التحتية التقنية المستقبلية.

واستندت فوربس في تقديراتها إلى تقييم سبيس إكس البالغ نحو 1.25 تريليون دولار في عام 2025، وهو التقييم الذي تحقق بعد اندماج الشركة مع xAI Holdings، التابعة أيضًا للملياردير إيلون ماسك، في صفقة أعادت تشكيل الكيانين ضمن منظومة أعمال أكثر اتساعًا تربط بين تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي.

ويعكس هذا التقييم الضخم المكانة المتصاعدة لسبيس إكس داخل سوق التكنولوجيا العالمي، بعدما تحولت من شركة خاصة متخصصة في إطلاق الصواريخ إلى واحدة من أكثر الشركات نفوذًا وتأثيرًا في مستقبل الصناعات الفضائية والتقنيات المتقدمة، وهو ما جعل أي تحرك يتعلق بطرحها العام يحظى بمتابعة واسعة من المستثمرين والأسواق حول العالم.

كيف كون نوزيك ثروته؟

ورغم أن تقديرات فوربس وضعت ثروة نوزيك عند نحو 2.7 مليار دولار، فإن الرقم الفعلي قد يكون أعلى من ذلك، إذ لم تتضمن التقديرات حصة إضافية تُقدَّر بنحو 0.07% في سبيس إكس، تبلغ قيمتها الحالية نحو 860 مليون دولار، والمملوكة عبر كيان استثماري يحمل اسم Nosek Capital LLC.

واستبعدت فوربس هذه الحصة من حساباتها بسبب عدم وضوح هيكل الملكية الكامل للشركة الاستثمارية، إذ لم تتمكن من التأكد مما إذا كان هناك مستثمرون آخرون يمتلكون جزءًا من تلك الأسهم، وهو ما يعكس التعقيد المعتاد في هياكل الملكية الخاصة بصناديق الاستثمار والشركات القابضة في سيليكون فالي.

ويُعد نوزيك، البالغ من العمر 50 عامًا، واحدًا من الوجوه المبكرة التي ساهمت في تشكيل قطاع التكنولوجيا المالية الحديث. فقد درس هندسة الحاسوب في جامعة إلينوي أوربانا شامبين، قبل أن يشارك في تأسيس باي بال عام 1998 إلى جانب الملياردير بيتر ثيل وآخرين.

وخلال السنوات الأولى للشركة، تولى نوزيك مسؤوليات مرتبطة بتطوير الأعمال والتسويق والاستراتيجية، وهي المرحلة التي لعبت دورًا محوريًا في تحويل باي بال من شركة ناشئة إلى واحدة من أبرز منصات الدفع الإلكتروني في العالم.

وفي عام 2000، اندمجت باي بال مع بنك إلكتروني أسسه إيلون ماسك تحت اسم X.com، في خطوة ساعدت على تسريع نمو الشركة وتعزيز انتشار خدماتها الرقمية. وبعد ذلك بعامين، استحوذت eBay على باي بال مقابل 1.5 مليار دولار، في واحدة من أبرز صفقات الإنترنت خلال تلك الفترة، وهي الصفقة التي صنعت ما يُعرف لاحقًا باسم “مافيا باي بال”، وهو اللقب الذي أُطلق على المجموعة التي خرجت من الشركة وأسست لاحقًا عددًا من أكبر شركات التكنولوجيا والاستثمار في العالم.

وبعد خروجه من باي بال، واصل نوزيك توسيع نفوذه داخل قطاع الاستثمار التكنولوجي، إذ شارك مع بيتر ثيل في تأسيس شركة الاستثمار الجريء Founders Fund عام 2006، وظل شريكًا عامًا فيها حتى عام 2017، قبل أن يغادر للمشاركة في تأسيس Gigafund، التي ركزت على الاستثمار في الشركات ذات الطموحات التقنية الضخمة والمشروعات المستقبلية عالية المخاطر.

ويمتد ارتباط نوزيك بسبيس إكس إلى عام 2008، حين انضم إلى مجلس إدارة الشركة في مرحلة مبكرة من تاريخها، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر شركات الفضاء الخاصة في العالم. كما يشغل عضوية مجالس إدارة عدة شركات خاصة أخرى، من بينها شركة Last Energy المتخصصة في الطاقة النووية، وشركة Emerald Cloud Lab العاملة في المختبرات العلمية، إلى جانب منصة الأبحاث العلمية ResearchGate، التي تربط الباحثين والعلماء حول العالم.

وسبق لنوزيك أيضًا أن شغل منصب عضو مجلس إدارة مختبر أبحاث الذكاء الاصطناعي DeepMind، قبل استحواذ غوغل عليه في عام 2014، ما يشير إلى أن جزءًا إضافيًا من ثروته قد يكون موزعًا عبر استثمارات أخرى غير معلنة بالكامل في قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العميقة.

وتُظهر الوثائق كذلك أن حصة نوزيك في سبيس إكس تُقدَّر بضعف حصة الرئيسة التنفيذية للعمليات ورئيسة الشركة منذ سنوات طويلة، جوين شوتويل، والتي تملك نحو 0.11% فقط من أسهم الشركة، بقيمة تُقدَّر بنحو 1.3 مليار دولار.

أما المدير المالي للشركة بريت جونسن، البالغ من العمر 57 عامًا، فتُقدَّر ثروته بنحو 700 مليون دولار، اعتمادًا على حصته المقدرة عند 0.06%، دون احتساب خيارات الأسهم التي قد ترفع ملكيته إلى 0.08%.

وكان جونسن قد انضم إلى سبيس إكس عام 2011 قادمًا من شركة الرقائق الإلكترونية المدرجة Mindspeed Technologies، وتشير التقديرات إلى أنه قد ينضم هو الآخر إلى قائمة المليارديرات إذا نجحت سبيس إكس في الوصول إلى تقييمها المستهدف البالغ تريليوني دولار عند طرحها للاكتتاب العام، والذي قد يتم في أقرب وقت الشهر المقبل.

وفي المقابل، أظهرت الوثائق امتلاك المستثمر الملياردير وعضو مجلس إدارة سبيس إكس أنطونيو غراسياس حصة تُقدَّر بنحو 4.3% من الشركة، بقيمة تصل إلى 54.3 مليار دولار، إلا أن معظم هذه الأسهم يبدو أنها مملوكة عبر شركته الاستثمارية Valor Equity Partners، ما يجعل حجم حصته الشخصية الفعلية في سبيس إكس غير واضح حتى الآن.

ماسك.. أكبر المساهمين

وكما كان متوقعًا، تصدّر إيلون ماسك قائمة أكبر المساهمين الواردة في نشرة الاكتتاب العام الأولي لسبيس إكس، بصفته مؤسس الشركة ورئيس مجلس إدارتها ورئيسها التنفيذي ومديرها التقني، وهي المناصب التي جعلته الشخصية المحورية في رسم مسار الشركة منذ تأسيسها وحتى تحولها إلى واحدة من أعلى الشركات الخاصة قيمة في العالم.

وبحسب تقديرات فوربس، تبلغ ثروة ماسك نحو 822 مليار دولار، وهي ثروة مدفوعة بدرجة كبيرة بحصته الضخمة في سبيس إكس، والتي تُقدَّر بنحو 41% من أسهم الشركة، بقيمة تقارب 514 مليار دولار وحدها.

ولا تشمل هذه التقديرات حتى الآن مجموعة إضافية من الحوافز المالية المرتبطة بالأداء، مثل خيارات الأسهم والأسهم المقيدة المشروطة بتحقيق أهداف تشغيلية ومالية محددة، وهي الآلية التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا العملاقة لتحفيز مؤسسيها وكبار التنفيذيين على تحقيق أهداف طويلة الأجل.

وإذا نجحت سبيس إكس في تحقيق تلك المستهدفات الطموحة، فقد ترتفع حصة ماسك الفعلية إلى نحو 50% من الشركة، ما سيضيف مئات المليارات من الدولارات إلى ثروته الشخصية.

وتضمنت هذه الأهداف شروطًا استثنائية تعكس الطموح غير التقليدي الذي تتبناه سبيس إكس، من بينها وصول القيمة السوقية للشركة إلى نحو 7.5 تريليون دولار، إلى جانب تحقيق أحد أكثر مشاريع ماسك جرأة وإثارة للجدل، والمتمثل في تأسيس مجتمع بشري دائم على كوكب المريخ يضم ما لا يقل عن مليون شخص.

ويُظهر إدراج مثل هذه الأهداف داخل الوثائق الرسمية للشركة حجم الرهان الذي يبنيه ماسك على مستقبل صناعة الفضاء، ليس فقط باعتبارها قطاعًا تجاريًا، بل باعتبارها مشروعًا طويل الأمد لإعادة تشكيل مستقبل البشرية خارج كوكب الأرض.

وحتى دون احتساب تلك الحوافز الإضافية، يبدو ماسك بالفعل في طريقه لترسيخ مكانته كأغنى شخص في العالم بفارق هائل عن أقرب منافسيه، كما يقترب تدريجيًا من تحقيق لقب قد يبدو غير مسبوق في التاريخ الاقتصادي الحديث، وهو أن يصبح أول شخص تتجاوز ثروته حاجز التريليون دولار.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *