ناجي الخوري
تنعقد القمة بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني، في لحظة تُشبه إلى حد بعيد لحظات التحول الكبرى في التاريخ الدولي، حيث لم يعد العالم يعيش مجرد تنافس اقتصادي بين قوتين عظميين، بل صراعاً شاملاً على قيادة النظام العالمي، شكل الاقتصاد الدولي، مسارات التجارة والطاقة، التفوق التكنولوجي، وحتى تعريف مفهوم النفوذ في القرن الحادي والعشرين.
فالقمة لا يمكن قراءتها باعتبارها لقاءً بروتوكولياً أو محطة دبلوماسية عابرة، بل كونها مؤشراً حساساً على اتجاهات المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التداخل غير المسبوق بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية والأمن العالمي.
فالقمة تأتي فيما يمر العالم بحالة إعادة تموضع استراتيجية واسعة، فرضتها سلسلة من الأزمات المتلاحقة، من الحرب الأوكرانية، إلى التوتر في بحر الصين الجنوبي، مروراً بالمواجهة المباشرة مع ايران، اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وعودة الحمائية الاقتصادية، وصولاً إلى السباق المحموم في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدقيقة.
اما في خلفية المشهد، تدرك كل من واشنطن وبكين أن العالم دخل فعلياً مرحلة “الحرب الباردة الاقتصادية”، وإن كانت بأدوات مختلفة عن الحرب الباردة التقليدية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
فالولايات المتحدة ترى أن صعود الصين لم يعد مجرد تحدٍ اقتصادي، بل تهديد استراتيجي طويل الأمد لمكانتها كقوة أولى في العالم. لذلك، تعمل واشنطن منذ سنوات على إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي بطريقة تحد من قدرة بكين على التحكم بسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والطاقة.
أما الصين، فتنظر إلى السياسات الأميركية باعتبارها محاولة منظمة لاحتواء صعودها ومنع تحولها إلى قطب عالمي مكتمل النفوذ، خصوصاً بعد نجاحها في توسيع حضورها الاقتصادي في آسيا،أفريقيا، الشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية.
في هذا الاطار، تتجاوز الملفات المطروحة على طاولة القمة الخلافات التجارية التقليدية بكثير. فالنقاش الحقيقي يدور حول من سيمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، ومن سيسيطر على الممرات البحرية، التكنولوجيا المتقدمة، الطاقة، والتمويل الدولي. عناصر تحمل أبعاداً جيوستراتيجية عميقة، تمتد آثارها من المحيط الهادئ إلى الخليج العربي، مرورا بشرق المتوسط، الذي يبرز في قلب هذه المعادلة، كأحد أكثر المناطق تأثراً بنتائج القمة، ليس فقط لأنه خزان الطاقة العالمي، بل لأنه تحول تدريجياً إلى ساحة تنافس مباشر بين النفوذ الأميركي والصعود الصيني، حيث باتت الاخيرة الشريك التجاري الأول لمعظم دول الخليج، بينما لا تزال الولايات المتحدة اللاعب الأمني والعسكري الأكثر تأثيراً في المنطقة.
واقع التداخل هذا، بين الاقتصاد الصيني والمظلة الأمنية الأميركية خلق نموذجاً إقليمياً هشاً، يمكن أن يتغير بسرعة تبعاً لمسار العلاقة بين القوتين.
فالتوترات الإقليمية الحالية، خصوصاً ما يتعلق بإيران وأمن الملاحة البحرية ومضيق هرمز، جعل من القمة محطة حاسمة لتحديد مستقبل أسواق الطاقة العالمية، حيث تعتمد بكين بشكل كبير على النفط الخليجي، فيما تسعى واشنطن إلى منعها من تحويل هذا الاعتماد الاقتصادي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي دائم في المنطقة.
لذلك، فإن أي تفاهم أو تصعيد بين الطرفين ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار النفط، الاستثمارات، حركة التجارة، أسواق المال، وحتى على الاستقرار السياسي في العديد من دول الشرق الأوسط.
أما لبنان، فرغم أزمته الداخلية العميقة وضعف حضوره في المعادلات الدولية، فإنه يبقى شديد التأثر بأي تحولات دولية أو إقليمية ناتجة عن القمة. فالاقتصاد اللبناني، المرتبط عضوياً بحركة الدولار، التحويلات الخارجية والاستقرار الإقليمي، يتأثر مباشرة بمسار الصراع الأميركي – الصيني، سواء عبر انعكاساته على أسعار الطاقة، أو على التوترات الأمنية جنوب لبنان، وحتى على مستقبل الاستثمارات الدولية في المنطقة. كما أن أي إعادة رسم لموازين النفوذ في الشرق الأوسط قد تنعكس على ملفات أساسية تخص لبنان، من إعادة الإعمار والبنى التحتية، إلى ملف الغاز والطاقة، وصولاً إلى موقعه داخل التوازنات المالية الجديدة التي تتشكل عالمياً.
عليه، تحظى قمة بكين بأهمية استثنائية، لأنها لا تبحث فقط في إدارة خلافات بين قوتين عظميين، بل في كيفية منع انزلاق العالم إلى مواجهة اقتصادية وأمنية مفتوحة قد تؤدي إلى اضطراب عالمي واسع. فالعالم يقف اليوم أمام مفترق تاريخي: إما الدخول في مرحلة تسويات كبرى تعيد تنظيم التنافس الدولي ضمن قواعد جديدة، أو الانتقال إلى مرحلة صراعات ممتدة تتداخل فيها الحروب التجارية والتكنولوجية والأمنية، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي لعقود مقبلة. وفي هذا السياق، تبدو القمة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة واشنطن وبكين على إدارة الصراع بينهما دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.







