حولت الحرب الإيرانية رحلات السفر منخفض التكلفة والطيران الرخيص إلى رفاهية مهددة بالاختفاء، مع إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وبالتبعية وقود الطائرات.
وكيلة السفر البريطانية، هيلين مارتن، كشفت عن أولى الصدمات، حيث انقلبت حساباتها لرحلة شهر عسل فاخرة أعدتها لزوجين إلى سنغافورة ثم جزيرة لانكاوي الماليزية مطلع 2027، والتي بدت كرحلة أحلام، وفقاً لما ذكرته لصحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
فمع الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، بدأت شركات الطيران حول العالم تمرر التكاليف إلى المسافرين، لتتحول الرحلات الرخيصة تدريجياً من ميزة دائمة إلى رفاهية غير متاحة.
قالت مارتن: “الزوجان قررا الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الأسعار ستتراجع”، مضيفة أن كثيراً من العملاء باتوا يواجهون خياراً صعباً: “إما خفض سقف التوقعات أو رفع الميزانية”.
قفزت أسعار وقود الطائرات عالمياً إلى الضعف تقريباً، في ضربة مباشرة لصناعة تعتمد بشكل أساسي على الوقود باعتباره أكبر بند تكلفة تشغيلية.
ما زاد الوضع صعوبة، هو أن نحو 40% من وقود الطائرات المستخدم في أوروبا يمر عبر مضيق هرمز.
إفلاسات واندماجات تلوح في الأفق
بدأت آثار الأزمة تظهر سريعاً. فقد ألغت شركات الطيران آلاف الرحلات غير المربحة، بينما أعلنت شركة “سبيريت إيرلاينز” الأميركية إفلاسها، لتصبح أول ضحية بارزة للأزمة الجديدة.
ويرى مسؤولون تنفيذيون أن ما حدث قد يكون بداية موجة أوسع من الإفلاسات والاندماجات.
وقال الرئيس التنفيذي ل”لوفتهانزا”، كارستن شبور، إن الشركات الأقوى ستزداد قوة، بينما ستصبح الشركات الأضعف أكثر هشاشة، في إشارة إلى موجة إعادة هيكلة متوقعة داخل القطاع.
بدوره، توقع الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك ل”إير آسيا”، توني فرنانديز، أن تشهد السوق مزيداً من عمليات الدمج حتى بين شركات الطيران الكبرى.
تذاكر ب20 جنيهاً
أوروبا كانت مسرحاً للطيران الرخيص، شركات مثل “رايان إير” كانت تتفاخر بإمكانية السفر عبر أوروبا بأسعار تقل عن تكلفة ركن السيارة في المطار، لكن هذه الحقبة قد تكون تقترب من نهايتها.
قال رئيس شركة “Aviation Advocacy” الاستشارية، أندرو تشارلتون: “لا توجد شركة طيران تريد أن تكون رخيصة… الجميع يريد الربحية”، مضيفاً أن عصر الرحلات مقابل 20 جنيهاً إسترلينياً يقترب بالتأكيد من النهاية.
ويشبه محللون الأزمة الحالية بما حدث خلال جائحة كورونا، لكن مع اختلاف جوهري يتمثل في أن الأزمة هذه المرة مرتبطة بالطاقة والتكاليف التشغيلية، وليس فقط بتراجع الطلب.
اضطرابات عالمية في سلاسل التشغيل
ومع تصاعد المخاوف من نقص الوقود، لجأت شركات الطيران إلى حلول تشغيلية معقدة للحفاظ على استمرار الرحلات.
فقد أعادت “لوفتهانزا” توجيه بعض رحلاتها عبر ناميبيا للتزود بالوقود، بينما حملت “إير آسيا” كميات وقود مضاعفة على بعض الرحلات إلى فيتنام لتجنب إعادة التزود هناك.
وفي الوقت نفسه، تواجه شركات الطيران الكبرى ضغوطاً إضافية بسبب تأخر تسليم الطائرات الجديدة من “بوينغ” و”إيرباص”، ما يقلص القدرة الاستيعابية المتاحة ويزيد صعوبة خفض الأسعار.
الطائرات القديمة أول الضحايا
تدفع الأزمة أيضاً شركات الطيران إلى تسريع التخلص من الطائرات القديمة الأكثر استهلاكاً للوقود.
وأعلنت “لوفتهانزا” أنها ستسرع تقاعد بعض طائرات “بوينغ 747-400” و”إيرباص A340″، بينما تدرس “إير فرانس-KLM” إخراج بعض طائرات “A330” من الخدمة قبل الموعد المخطط.
أما مستقبل طائرات “إيرباص A380” العملاقة، ذات المحركات الأربعة، فيبدو أكثر غموضاً، نظراً لاستهلاكها الضخم للوقود مقارنة بالطائرات الحديثة.
ورغم تمسك “طيران الإمارات” بالطراز العملاق، بدأت شركات أخرى تقليص الاعتماد عليه، إذ أرسلت “الخطوط القطرية” عدداً من طائراتها إلى مواقف تخزين طويلة الأجل في إسبانيا.
الخليج في قلب المعركة الجوية
شكلت الحرب ضربة قوية لشركات الطيران الخليجية، خاصة “الإمارات” و”القطرية” و”الاتحاد”، مع إغلاق الأجواء في المراحل الأولى للنزاع وتراجع أعداد المسافرين.
لكن المفارقة أن شركات الطيران الأوروبية استفادت مؤقتاً من تعطل رحلات الترانزيت الخليجية، مع امتلاء الرحلات المباشرة بين أوروبا وآسيا رغم ارتفاع الأسعار.
وقال الرئيس التنفيذي ل”إير فرانس” بن سميث، إن الأزمة جذبت عملاء جدداً كانوا يعتمدون سابقاً على رحلات الربط عبر الخليج.
ومع ذلك، يتوقع القطاع أن تعود الشركات الخليجية لاحقاً إلى المنافسة عبر تخفيضات سعرية قوية لاستعادة المسافرين، ما قد يضع بقية الشركات أمام خيارين أحلاهما مر: خفض الأسعار رغم ارتفاع التكاليف، أو خسارة الركاب.
شتاء قاس يلوح في الأفق
حتى الآن، تحاول بعض شركات الطيران الاقتصادي تثبيت الأسعار وامتصاص الصدمة، لكن المحللين يحذرون من أن الوضع قد يصبح أكثر قسوة خلال الشتاء، عندما يتراجع الطلب الموسمي على السفر.
ويرى خبراء أن استمرار الأسعار المرتفعة سيؤدي إلى إلغاء مزيد من الخطوط الجوية وتقليص الأساطيل وتسريح الوظائف، ما قد يدخل القطاع في حلقة مفرغة من ارتفاع التكاليف وضعف الطلب.
قال أحد مستشاري قطاع الطيران إن الخطر الحقيقي يتمثل في تدمير الطلب نفسه، مع تآكل القدرة الشرائية للأسر بسبب ارتفاع أسعار الوقود والغذاء عالمياً.
وفي حال استمرت الأزمة لفترة أطول، فقد يجد المسافرون أنفسهم أمام واقع جديد: رحلات أقل، وأسعار أعلى، ونهاية تدريجية لعصر السفر الجوي الرخيص الذي هيمن على العالم خلال العقود الماضية.



