تتحول المعلومة أحياناً إلى ثروة تُجنى في لحظات، في عالم المال والأعمال، خصوصاً عندما تتعلق بصفقات اندماج واستحواذ بمليارات الدولارات تُدار خلف أبواب مغلقة.
لكن هذا التدفق الهائل للمعلومات السرية داخل كبرى الشركات يفتح الباب أيضاً أمام واحدة من أخطر الجرائم في وول ستريت: التداول بناءً على معلومات داخلية. وبينما تعتمد الشركات على الثقة والانضباط المهني لحماية أسرار عملائها، تكشف القضايا الأخيرة في الولايات المتحدة عن شبكات معقدة استغلت تلك المعلومات لتحقيق أرباح غير مشروعة، في مشهد يعكس الجانب المظلم لصناعة الصفقات الكبرى والسباق المحموم على المكاسب السريعة.
يكشف تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” عن جانب من تلك الأزمة، فقد كان محامون في شركة Goodwin Procter يمثلون شركة iRobot، المصنعة لمكانس “رومبا” الآلية، بينما كانت المحادثات بشأن استحواذ Amazon عليها تشتد خلال صيف عام 2022.
وخلال الأشهر التالية، ووفقاً للسلطات الأميركية، بدأت شبكة تضم أكثر من عشرة أشخاص، بينهم ثلاثة أشقاء ومصفف شعر ، في تجميع أسهم وخيارات شراء خاصة بشركة iRobot.
وعندما أُعلن عن الصفقة في اب من ذلك العام، حققت المجموعة، بحسب المزاعم، أرباحاً تجاوزت 1.7 مليون دولار، حتى إن اثنين من أفراد الشبكة تبادلا رسائل تحتوي على رموز «الشمبانيا» التعبيرية احتفالاً بالمكاسب.
ويقول الادعاء الأميركي وهيئات تنظيم الأوراق المالية الآن إن هؤلاء كانوا يعتمدون على معلومات داخلية خرجت من شركة Goodwin Procter نفسها.
وفي اتهامات جنائية كُشف عنها يوم الأربعاء، قال المدعون إن نيكولو نورافشان، البالغ من العمر 43 عاماً وخريج كلية الحقوق بجامعة Yale، والذي عمل في شركات المحاماة المرموقة Sidley Austin وLatham & Watkins وGoodwin، كان في قلب مخطط تداول داخلي استمر عقداً كاملاً.
وبحسب المزاعم، امتد هذا المخطط من أروقة كليات الحقوق التابعة لجامعات النخبة إلى مكاتب المحاماة في وول ستريت، بهدف سرقة معلومات سرية عن الصفقات من تلك الشركات وتمريرها إلى شبكة من الأصدقاء والمعارف.
ووجّهت السلطات اتهامات إلى 30 شخصاً، بينما رفعت U.S. Securities and Exchange Commission بشكل منفصل دعاوى مدنية ضد 21 شخصاً.
وأصبح تقديم الاستشارات في صفقات الاندماج والاستحواذ أحد أكثر مجالات الأعمال ربحية لشركات المحاماة في وول ستريت، حيث يتقاضى حتى المحامون المبتدئون مئات الآلاف من الدولارات سنوياً. وتضع هذه الأعمال الشركات في موقع “حارس الأسرار” لصفقات شركات عامة بمليارات الدولارات، ما يترك أمامها خياراً محدوداً سوى الثقة بموظفيها، وفق التقرير.
وقال ديفيد أكسلرود، المحامي في شركة Ballard Spahr والمدعي الأميركي السابق: “اللافت في القضية أنها كانت خطة شاملة للغاية وعلى مدى يقارب عقداً كاملاً لاستغلال معلومات شركات المحاماة بشأن صفقات اندماج متتالية”، حسب الصحيفة.
وقالت Goodwin في بيان: “نشعر بخيبة أمل عميقة لأن موظفاً سابقاً يُزعم أنه خان الثقة الموضوعة فيه وأسـاء استخدام معلومات سرية كجزء من مخطط إجرامي أوسع طال عدداً من شركات المحاماة وعملائها”.
وعلى مدار عقد كامل، يُزعم أن نورافشان مرّر معلومات حول صفقات معلّقة إلى زميله في الدراسة بجامعة جورج واشنطن روبرت يادغاروف وآخرين.
كما قام نورافشان ويادغاروف، الذي يمتلك مكتباً خاصاً لقضايا الإصابات الشخصية، بتجنيد محاميين شابين آخرين في مجال الشركات لمشاركة المعلومات، وفقاً للمدعين.
وفي عام 2014، يُزعم أنهما أشركا آفي ساتون، وفقاً لعدة أشخاص مطلعين على القضية، إضافة إلى تطابق معلومات لائحة الاتهام مع السجلات العامة.
وكان ساتون قد درس في كلية الحقوق بجامعة Yale مع نورافشان، وكان يعمل لدى Wachtell, Lipton, Rosen & Katz عندما قدّم، بحسب المزاعم، أول تسريب له بشأن استحواذ وشيك لشركة Burger King على Tim Hortons. ولم تُوجَّه إليه اتهامات، لكنه ظهر كشريك غير مُسمّى في إحدى لوائح الاتهام.



