Uncategorized

بلومبرغ: دبي تستعيد رجال مال وأعمال أبعدتهم حرب إيران

بدأت مظاهر الحياة الطبيعية تعود تدريجياً إلى دبي، مع عودة الازدحام إلى مطاعم “آرتس كلوب” الفاخرة في المركز المالي وارتفاع حركة المرور مجدداً في المنطقة، بالتزامن مع تدفق مصرفيين وتجار ومديرين تنفيذيين إلى مكاتبهم بعد مغادرتهم المؤقتة الإمارات عقب استهدافها بصواريخ إيرانية.

بعد إعلان الولايات المتحدة الأميركية وإيران وقف إطلاق النار مطلع أبريل الماضي، بدا أن دبي بدأت تتكيف مع واقع جديد. لكن مساء الإثنين الماضي، تلقى سكان دبي وبقية الإمارات المجاورة رسائل تحذيرية طارئة على هواتفهم المحمولة تطلب منهم الاحتماء داخل المنازل، للمرة الأولى منذ أسابيع.

توازن دقيق

أعادت المدارس، التي كانت قد استأنفت الدراسة حضورياً قبل فترة وجيزة، تطبيق نظام التعليم عن بُعد، فيما عادت بعض المؤسسات المالية إلى العمل عن بعد. كما تراجعت حركة المرور قرب مركز دبي المالي العالمي DIFC، التي كانت قد تعافت إلى نحو 70% من مستويات ما قبل الحرب خلال الأسابيع التي أعقبت وقف إطلاق النار، إلى قرابة 60% بعد رسائل التحذير الإثنين الماضي، بحسب شركة “إكس ماب” (xMap) المتخصصة في تحليلات التنقل.

رغم أن الهجمات الأخيرة، التي استهدفت ميناءً وسفناً قبالة سواحل الإمارات، لم تبدُ كفيلة بتقويض الثقة، فإنها سلطت الضوء مجدداً على دقة الوضع. 

وواصلت الدفاعات الجوية اعتراض معظم المقذوفات التي أُطلقت باتجاه البلاد، بينما بدا أن كثيراً من السكان والشركات مصممون على مواصلة أعمالهم رغم التقلبات. لكن هذا الاضطراب المؤقت عكس التوازن الدقيق الذي يواجهه المركز التجاري الخليجي، في وقت يحاول فيه استعادة الثقة مع التعايش مع احتمال تجدد التصعيد العسكري. 

إدوين لورانس، الرئيس التنفيذي لشركة “نيتلستون كابيتال أدفايزرز” (Nettlestone Capital Advisors) ومقرها دبي، اعتبر أن الهجمات الأخير بمثابة “تذكير بأن الوضع على النطاق الأوسع ما زال قائماً وأن حالة عدم اليقين مستمرة، حتى وإن كان الجميع هنا حريصين للغاية على العودة إلى الحياة الطبيعية”.

لم يرد المكتب الإعلامي لحكومة دبي فوراً على طلب للتعليق.

قالت متحدثة باسم بنك “سيتي غروب” في 4 مايو الجاري إن “جميع الموظفين مرحب بهم الآن للعودة إلى المكاتب، وعادت الفروع إلى ساعات العمل المعتادة”. كما ذكر بنك “ستاندرد تشارترد” أن عملياته في الإمارات وحضور الموظفين إلى المكاتب عادا إلى المستويات الطبيعية، وأن “الأعمال تسير كالمعتاد”.

وما زالت تلك السياسات سارية حتى الآن.

أهمية المنطقة لبنوك “وول ستريت”

يعكس هذا الصمود الأهمية المتزايدة للشرق الأوسط بالنسبة للمؤسسات المالية العالمية. شكلت السيولة الضخمة في المنطقة مصدراً رئيسياً للتمويل على مدى سنوات، كما أعلن كثير من المديرين التنفيذيين دعمهم الكامل للخليج في ذروة حرب إيران.

بل إن بعض الشركات تواصل الاستثمار رغم الأوضاع. إذ تعمل “بروكفيلد أسيت مانجمنت” على تأسيس مشروع عقاري في دبي في خطوة تعكس رهاناً جريئاً على سوق العقارات في المدينة. وأكد جاد العوان، الشريك الإداري والرئيس الإقليمي لبروكفيلد في الشرق الأوسط: “نفهم المخاطر والمزايا في المنطقة بشكل أفضل من غيرنا، ولذلك نسعى إلى ضخ رؤوس أموال”.

كما تعكس هذه التحركات نجاح دبي في التحول إلى مدينة أقل اعتماداً على الإقامة المؤقتة. فرغم أن الوافدين ما زالوا يشكلون أكثر من 80% من السكان، فإن برامج “الإقامة الذهبية” طويلة الأجل شجعت مزيداً من الأجانب على شراء المنازل وتأسيس الأعمال.

كما واصلت الضرائب المنخفضة ومستويات الأمان جذب المهنيين الأثرياء والشركات العالمية، التي يواصل كثير منها التوظيف مجدداً “وإن بوتيرة أبطأ”، بحسب زهرة كلارك، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة “تايغر ريكروتمنت” (Tiger Recruitment) المتخصصة في التوظيف مع المؤسسات المالية. مضيفةً: “شهدنا تعليق نحو 20% من طلبات التوظيف لدينا”.

رغم استمرار النزاع، تستعد صناديق تحوط من بينها “سيتادل” (Citadel) التابعة لكين غريفين، والتي تدير أصولاً بقيمة 67 مليار دولار، لإطلاق عملياتها في الإمارة. كما خففت دبي بعض متطلبات الامتثال التنظيمي لمساعدة الشركات على مواصلة أعمالها خلال فترة النزاع.

ثقة في دبي

في مؤشر إضافي على استمرار ثقة القطاع المالي، أسست 258 شركة وجوداً إقليمياً لها في مركز دبي المالي العالمي خلال مارس الماضي، بزيادة 59% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بحسب ممثل عن المركز. وفي المجمل، تأسست 775 شركة جديدة في المركز خلال الربع الأول.

ونوّه غريغ أجيوس، الرئيس التنفيذي لشركة “أجيوس أند بارتنرز” (Agius & Partners) السويسرية المتخصصة في التوظيف، بأن كثيراً من المصرفيين والأثرياء أعجبوا بطريقة تعامل الإمارات مع الأزمة.

أضاف: “دبي توفر الكثير للعائلات وأصحاب الأعمال. سويسرا جميلة، لكنها أبطأ إيقاعاً وتفرض ضرائب أعلى”.

لكن حتى مع عودة المصرفيين إلى مكاتبهم، تزداد الضبابية المحيطة بصفقات المنطقة. إذ يُتوقع تأجيل أو إلغاء بعض الطروحات العامة الأولية المخطط لها خلال النصف الأول من العام، بينما قد يتباطأ نشاط الاندماج والاستحواذ مع تأجيل الشركات لاستثماراتها، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.

تداعيات على السفر والسياحة

خارج القطاع المالي، امتدت تداعيات الاضطرابات المستمرة منذ أسابيع إلى الاقتصاد الأوسع. 

رغم أن شركة “طيران الإمارات” تعافت بوتيرة أسرع من شركات الطيران الإقليمية، فإنها ما زالت تعمل عند نحو 75% من سعتها التشغيلية مقارنةً بما قبل حرب إيران. كما تراجعت معدلات إشغال الفنادق إلى نحو 33% مقابل أكثر من 80% قبل النزاع، بحسب شركة الأبحاث “كوستار غروب” (CoStar Group).

قال مسؤولون تنفيذيون مطلعون إنهم يتوقعون بدء تعافي النشاط خلال الأشهر المقبلة مع نهاية فترة الصيف الهادئة تقليدياً. وتستغل فنادق عديدة في دبي هذه الفترة لتنفيذ أعمال تجديد وصيانة.

بينما صرح محمد العبار، مؤسس شركة “إعمار العقارية“: “يرجى تذكر أننا شهدنا سنوات بلغت فيها نسب الإشغال في فنادقنا نحو 85% مع أسعار رائعة. لقد حققنا أموالاً طائلة. نأخذ استراحة لبضعة أشهر، وهذا أمر مقبول. لدينا وقت لصيانة فنادقنا وتجديدها”.

الإيجارات لم تتأثر

في الوقت نفسه، يبدو أن الإيجارات السكنية، التي ارتفعت بقوة خلال السنوات الماضية، صمدت نسبياً في وجه حرب إيران. إذ انخفضت على مستوى المدينة بأكثر قليلاً من 2% فقط في المتوسط منذ نهاية فبراير الماضي، بحسب براثيوشا غورابو، رئيسة الأبحاث في شركة “كوشمان آند ويكفيلد كور” (Cushman & Wakefield Core) للاستشارات العقارية.

وأوضح غورابو: “يتم توقيع تجديدات عقود الإيجار تقريباً بالمعدلات نفسها السابقة لأن كثيراً من المستأجرين يفضلون تجنب تكاليف الانتقال”.

كما اضطرت المدارس الخاصة، التي استفادت من تزايد أعداد الوافدين في دبي خلال السنوات الأخيرة، إلى التعامل مع فترات من التعليم الإلكتروني. وقبل هجمات الإثنين الماضي، كان معظم الطلاب قد عادوا إلى الفصول الدراسية في أنحاء الإمارات، رغم استمرار تفاوت نسب الحضور.

في المقابل، بدأت أنماط إنفاق المستهلكين تشهد تغيرات.

وقال سكوت بواترايت، الرئيس التنفيذي لشركة “تشيبوتلي مكسيكان غريل” (Chipotle Mexican Grill)، في مقابلة، إن شركته “شهدت تعافياً سريعاً نسبياً في الكويت وقطر، لكن الانتعاش كان أبطأ في الإمارات، التي تعتمد بدرجة أكبر على السياحة“.

أضاف: “معظم المستهلكين المحليين يعودون إلى سلوكهم الطبيعي. لكن التحدي الأكبر للمنطقة حالياً يتمثل في تراجع السياحة مقارنة بالعام الماضي”.

تراجعت مبيعات المتاجر التقليدية لدى سلاسل الأسواق المركزية “سوبر ماركت” ومجمعات التسوق الكبرى “هايبر ماركت” في الإمارات بنحو 7% بين 30 مارس و19 أبريل الماضي مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، بحسب شركة “نيلسن آي كيو” (NielsenIQ). في حين ارتفعت المبيعات الإلكترونية لدى تلك الشركات وغيرها من المنصات الرقمية بنسبة 15%، فإن هذه الوتيرة تبقى أقل من معدل 34% المسجل قبل النزاع.

شركة “طيران الإمارات”

رغم حالة عدم اليقين، ما زال بعض المسؤولين التنفيذيين متفائلين. فقد سجلت “طيران الإمارات” أرباحاً، وإن جاءت أقل من التوقعات السابقة.

ذكر تيم كلارك، رئيس الشركة، أن الناقلة العملاقة “تأمل أن تُحل هذه الأزمة قريباً وأن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه في فبراير من العام الجاري”.

كما أظهر رئيس الشركة التي تُعدُّ ربما العلامة التجارية الأشهر في الدولة روح التحدي الواضحة الشهر الماضي. قال كلارك: “لا أعتقد أن شيئاً سيتغير في طريقة تشغيلنا لشركة الطيران أو استراتيجية عملنا. لن نتراجع”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *