أخبار خاصة

مجموعة من المخاطر التي قد تضغط دفعة واحدة على مصادر الاستقرار النقدي.. لبنان بين وهم الاستقرار وشبح الانفجار النقدي

ناجي الخوري-سيدرز ريبورت

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعود ملف الاستقرار النقدي في لبنان إلى واجهة الاهتمام، لا بوصفه مجرد مؤشر اقتصادي تقني، بل كمرآة تعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها البلد منذ سنوات. فالتطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، وما تفرضه من إعادة رسم لموازين القوى السياسية والاقتصادية، وضعت الليرة اللبنانية مجددًا تحت مجهر القلق، وأعادت طرح السؤال الجوهري: إلى أي مدى يمكن لهذا “الاستقرار الهش” أن يصمد في وجه الضغوط المتزايدة؟

فالنقاش الدائر اليوم لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى مسار طويل من التحولات التي أصابت النموذج الاقتصادي اللبناني. فمنذ اندلاع الأزمة المالية في عام 2019، فقدت البلاد مرتكزاتها التقليدية، من قطاع مصرفي كان يُشكّل العمود الفقري للنظام المالي، إلى تدفقات استثمارية وسياحية كانت تؤمّن توازنًا نسبيًا في ميزان المدفوعات. وفي ظل هذا الانهيار، نشأ نموذج بديل قوامه الاعتماد شبه الكامل على تدفقات نقدية خارجية، أبرزها تحويلات المغتربين، التي تحوّلت إلى شريان الحياة الأساسي للاقتصاد.

غير أن هذا النموذج، رغم ما وفّره من قدرة على امتصاص الصدمات في المدى القصير، يحمل في طياته عناصر هشاشة عميقة. فهو يعتمد على عوامل خارجة عن السيطرة الداخلية، ويتأثر بشكل مباشر بالتقلبات الإقليمية والدولية، سواء من حيث أوضاع أسواق العمل في دول الخليج، أو من حيث أسعار الطاقة العالمية، أو حتى من حيث حركة التجارة الإقليمية. هذا ما يجعل أي توتر جيوسياسي، مهما كان بعيدًا جغرافيًا، قادرًا على إحداث ارتدادات فورية في الداخل اللبناني.

في هذا المسار، تكتسب تحذيرات الخبراء أهمية خاصة، إذ لا تقتصر على توصيف الواقع، بل تسلّط الضوء على تزامن مجموعة من المخاطر التي قد تضغط دفعة واحدة على مصادر الاستقرار النقدي. فالمشكلة لم تعد في وجود تحديات منفردة، بل في احتمال تلاقيها في لحظة واحدة، بما يخلق بيئة ضاغطة قد تتجاوز قدرة الأدوات التقليدية على الاحتواء.

في المقابل، تسعى السلطات النقدية، وفي مقدمتها مصرف لبنان، إلى رسم صورة أكثر تماسكًا، تقوم على التأكيد أن الاستقرار الحالي ليس عرضيًا، بل نتيجة سياسات مدروسة تهدف إلى ضبط الكتلة النقدية، وتنظيم السيولة، والحفاظ على توازن دقيق بين العرض والطلب في سوق القطع. مقاربة، وإن كانت تستند إلى أدوات فعلية، إلا أنها تصطدم بواقع أن جزءًا كبيرًا من الاستقرار يعتمد على الثقة، وهي عنصر يصعب التحكم به في بيئة يغلب عليها عدم اليقين.

هنا تكمن المفارقة الأساسية: الاقتصاد اللبناني اليوم لا يعاني فقط من نقص في الموارد، بل من فائض في القلق. فالتقارير والتحليلات، مهما كانت موضوعية، يمكن أن تتحول في بيئة كهذه إلى عامل بحد ذاته في زعزعة الاستقرار، عبر تغذية سلوكيات المضاربة وتعزيز النزعة إلى التحوّط المفرط، وهو ما شهدناه في مراحل سابقة، حين تحوّلت التوقعات السلبية إلى نبوءات تحقق ذاتها، بفعل التفاعل الجماعي للسوق.

إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل المشهد النقدي عن السياق السياسي العام. فالتأكيد الرسمي على أن الاستقرار السياسي يشكّل الركيزة الأساسية لأي استقرار اقتصادي ليس مجرد خطاب إنشائي، بل يعكس حقيقة أن غياب الأفق السياسي الواضح يقيّد فعالية أي سياسة نقدية أو مالية. ففي غياب إصلاحات بنيوية، واتفاقات دولية داعمة، تبقى كل الإجراءات أشبه بإدارة أزمة لا بمعالجة جذورها.

من هنا، يصبح السؤال المطروح أكثر تعقيدًا من مجرد توقع مسار سعر الصرف. إنه يتعلق بقدرة لبنان على الانتقال من اقتصاد قائم على التدفقات الظرفية إلى اقتصاد منتج ومستدام. فالى ان يتحقق ذلك، سيبقى الاستقرار النقدي رهينة توازنات دقيقة، تتأرجح بين عوامل خارجية ضاغطة، ومحاولات داخلية للاحتواء.

عليه، ما نشهده اليوم ليس عودة أزمة بقدر ما هو استمرار لها بأشكال مختلفة. فالهدوء النسبي في سعر الصرف لا يعكس تعافيًا حقيقيًا، بل نتيجة إدارة دقيقة لمصادر محدودة، في بيئة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.

وبين التحذيرات العلمية والتطمينات الرسمية، يبقى العامل الحاسم هو كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية، بانتظار لحظة سياسية – اقتصادية أكثر استقرارًا، قد تعيد رسم ملامح المشهد النقدي في لبنان على أسس أكثر صلابة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *