تكشف تصريحات قادة شركات النفط الأميركية الكبرى عن تأثير مزدوج لتداعيات إغلاق مضيق هرمز على القطاع، حيث تتقاطع التحذيرات من اضطراب الإمدادات مع الإقرار باستفادة عمالقة الخام في الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار النفط التي بلغت نحو 50% منذ بداية الحرب.
وبينما تؤكد الشركات أن الأزمة تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على نظام الطاقة العالمي، فإنها تُشير في الوقت نفسه إلى حالة من عدم اليقين تعقد قرارات الإنتاج والاستثمار، وتعيد رسم ملامح السوق في المدى القريب. فماذا قالت الشركات الكبرى عن تأثير إغلاق هرمز عليها؟
“إكسون”: ربع مليون برميل يومياً من إنتاجنا مهددة بسبب هرمز
تُعد “إكسون موبيل” أكثر شركة أميركية تضرراً من تعطل تدفقات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، بسبب شراكاتها الرئيسية في مشاريع الغاز والتكرير في قطر والإمارات بحقل الشمال، إلى جانب اعتمادها على المنطقة كمحور لتجارة النفط والغاز.
وعن ذلك الضرر، صرح الرئيس التنفيذي للشركة دارين وودز أن التعافي من تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، الذي أدى إلى إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل “سيستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً”، مرجعاً ذلك إلى سياسات تتبناها حكومات خارج الولايات المتحدة من شأنها تقييد الإمدادات.
وأضاف في مقابلة مع قناة “سي إن بي سي” اليوم أن هذه العوامل قد تُبطئ عودة التوازن إلى أسواق الطاقة العالمية.
فيما قال نيل هانسن المدير المالي للشركة في تصريحات صحفية اليوم على هامش إعلان نتائج الأرباح إن إغلاق مضيق هرمز لمدة ربعين كاملين قد يخفض إنتاجها بنحو 750 ألف برميل يومياً، مشيراً إلى أن تأثير الشرق الأوسط على الإنتاج في الربع الأول بلغ نحو 5% مقارنة بالربع الأخير من 2025 بعد أن كان 6% سابقاً.
وتابع أنه لا تزال نحو 15% من الطاقة الإنتاجية العالمية للشركة خارج الخدمة، في انعكاس مباشر لتعطل التدفقات في الشرق الأوسط.
كما أصبحت “إكسون” ثاني أكثر شركة نفط تضرراً من إغلاق هرمز على مستوى العالم من حيث نسبة التدفقات النقدية الحرة بعد “بي بي” البريطانية، فيما حلت نظيرتها الأميركية “شيفرون” في المرتبة الخامسة، وفق بيانات شركة “ريستاد”.
لكن ورغم هذا، أظهرت الشركة قدرة واضحة على امتصاص الصدمة الأولى التي تعرضت لها جراء الحرب في إيران، إذ ساهم ارتفاع أسعار النفط والغاز في تعزيز أرباحها خلال الربع الأول بنحو 1.7 مليار دولار، وهو ما فاق تأثير خسائر مرتبطة بتعطل الإنتاج بلغت 400 مليون دولار.
وأضاف هانسن أن “أحد أبرز التحديات يتمثل في عدم معرفة المدة التي سيظل فيها مضيق هرمز مغلقاً، وهو ما يعقد وضع أي توجيهات إنتاجية أو بيعية دقيقة للفترة المقبلة”.
“شيفرون”: طاقة العالم تحت ضغوط شديدة
لم تكن “شيفرون” هي الأخرى بمنأى عن تداعيات الأزمة، إذ تراجع إنتاجها بنحو 5% على أساس فصلي، كما تكبدت وحدة التكرير الدولية خسائر تقارب مليار دولار، نتيجة انخفاض هوامش المنتجات المكررة وارتفاع تكاليف النقل المرتبطة باضطرابات الشحن عبر هرمز.
وصرح الرئيس التنفيذي للشركة مايك ويرث أن تأثير اضطرابات الشرق الأوسط على عمليات الشركة “أقل مقارنة بالمنافسين”، لكنه حذر من أن نظام الطاقة العالمي يتعرض لـ”ضغوط شديدة للغاية”، مشيراً إلى أن خفض الطلب على النفط قد يصبح ضرورياً إذا لم تتم استعادة الإمدادات.
وأضاف أن الشركة تجري اتصالات شبه مستمرة مع الإدارة الأميركية لتزويدها بالمعلومات اللازمة لتقييم الأثر الاقتصادي، لكنه شدد على الحاجة إلى مزيد من الوضوح والاستقرار في سياساتها.
كما واجهت الشركة ضغوطاً محاسبية مرتبطة بشحنات لم تصل إلى وجهاتها بسبب إغلاق هرمز، ما دفع بعض المحللين إلى خفض توقعاتهم، رغم الأداء الفعلي الأفضل من المتوقع.
وعن تحركاتها الاستثمارية المقبلة وسط استمرار الإغلاق، تابع هانسن أن الشركة بحاجة إلى رؤية “أكثر استدامة” في أسعار الطاقة قبل اتخاذ أي قرارات بتعديل استراتيجيتها أو زيادة عمليات إعادة شراء الأسهم، في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالأزمة.
“كونوكو فيلبس”: زيادة الأسعار لا تعوض ضعف الإمدادات
تعرضت “كونوكو فيلبس” لضغوط مزدوجة، إذ سجلت تراجعاً في أرباح الربع الأول، في وقت أشارت فيه إلى تباطؤ الطلب العالمي على النفط، بالتزامن مع تفاقم أزمة الإمدادات بسبب إغلاق هرمز.
وأوضحت الشركة في بيان رسمي أن السوق تواجه مزيجاً معقداً من ضعف الطلب العالمي مقابل تشديد في المعروض، وهو ما قد يزيد من حدة التقلبات خلال الفترة المقبلة.
وأضافت: “تعكس هذه المؤشرات تحولاً مهماً، حيث لم تعد الأسعار المرتفعة كافية لتعويض تأثيرات ضعف الإمدادات، ما يضع الشركة أمام بيئة أكثر تعقيداً تجمع بين شح المعروض وتذبذب الاستهلاك”.
وتتضرر إمدادات الشركة من الغاز أيضاً من إغلاق هرمز فهي شريك في محطة تصدير الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة “قطر للطاقة”، والتي تُعد واحدة من أكبر منشآت إنتاج الغاز فائق التبريد في العالم. وأدت الهجمات الإيرانية على المنشأة إلى تعطل نحو سدس القدرة التصديرية لقطر من الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي تأثر إمدادات الشركة منها.
“أوكسيدنتال بتروليوم”: نحاول استبدال إمدادات الخليج
واحدة من أكبر المتأثرين أيضاً بإغلاق هرمز هي شركة “أوكسيدنتال” الأميركية، إذ تمتلك الشركة عمليات إنتاج نفط وغاز في سلطنة عُمان وقطر والإمارات، والتي تناهز 19% تقريباً من إجمالي أعمالها.
وبسبب هذا الحضور الواسع في الشرق الأوسط، قالت “أوكسيدنتال” في بيان صادر الأسبوع الماضي إنها تركز حالياً على تعويض الإمدادات التي كانت تأتي عبر هرمز من خلال الاعتماد على تدفقات الحقول الأميركية المحلية التي تشارك فيها.
وأضافت: “أصبحنا نعتمد على الإنتاج المحلي في خليج المكسيك كمصدر موثوق لدعم أمن الطاقة، في وقت تتعرض فيه تدفقات الطاقة العالمية -خاصة عبر هرمز- لمخاطر كبيرة”.
“ديفون إنرجي”: لا نعول على استمرار أسعار النفط المرتفعة
تبنت “ديفون إنرجي” (Devon Energy) هي الأخرى نهجاً حذراً، إذ أكدت أنها ستبقي نشاطها مستقراً رغم ارتفاع أسعار النفط، في إشارة إلى عدم الرغبة في التوسع الإنتاجي في ظل بيئة غير مستقرة.
وقال كلاي غاسبار الرئيس التنفيذي للشركة في تصريحات هذا الأسبوع إن الشركة تفضل الحفاظ على وتيرة إنفاق منضبطة، رغم ارتفاع الأسعار، في ظل ضبابية الأوضاع العالمية وتأثير أزمة هرمز على استدامة السوق.
وأضاف: “الشركة لن تستجيب سريعاً لارتفاع أسعار النفط، وقرارات الإنتاج ستظل قائمة على إشارات الأسعار طويلة الأجل، وليس التقلبات قصيرة المدى”، في إشارة إلى تبني نهج “منضبط” في الإنفاق والاستثمار، حتى مع استمرار ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز.




