أخبار اقتصادية

الاقتصاد العالمي في ظلال حرب إيران.. اختبار يهدد النمو ويرفع التضخم

بعد صمود النشاط الاقتصادي العالمي أمام ارتفاع الحواجز التجارية وتزايد عدم اليقين العام الماضي، أصبح يواجه الآن اختباراً حقيقياً جراء حرب إيران.

وبافتراض أن يظل الصراع محدود المدة والنطاق، توقع صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في نيسان 2026، تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% في 2026 و3.2% في 2027.

وكذلك يتوقع الصندوق ارتفاع معدل التضخم الكلي العالمي ارتفاعاً طفيفاً في عام 2026 قبل انخفاضه مجدداً في 2027.

كما يتوَقّع أن يتجلى تباطؤ النمو وارتفاع التضخم بصفة خاصة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.

تراجع النمو العالمي وارتفاع التضخم

حذّر صندوق النقد الدولي من أن عدداً قليلاً من الدول سينجو من التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، متوقعاً تباطؤا في النمو العالمي وزيادة في التضخم خلال العام الحالي.

وعدلت المؤسسة النقدية التي تتخذ من واشنطن مقراً توقعاتها بشكل كبير جراء الحرب التي اندلعت في 28 شباط إثر ضربات إسرائيلية وأمريكية مشتركة على إيران.

وقال كبير الاقتصاديين في الصندوق بيار أوليفييه غورينشاس لوكالة فرانس برس “قبل الحرب كنا نستعد لرفع توقعاتنا للنمو” لكن بدلاً من ذلك تم خفضها.

وأضاف “تستند توقعاتنا الأساسية إلى صراع قصير نسبياً مع اضطراب موقت في سوق الطاقة سيزول العام المقبل”.

وفي ظل هذه الظروف توقع الصندوق أن يقتصر النمو الإجمالي على 3.1%، مقارنة بالتوقعات السابقة في كانون الثاني التي بلغت 3.3%.

وفي حال استمرار الحرب لفترة طويلة توقع في أسوأ سيناريو نمواً بنسبة 2% وهي نسبة منخفضة ونادرة على المستوى العالمي.

ورغم أن أزمة الطاقة الحالية هي الأكبر في التاريخ، لفت غورينشاس خلال مؤتمر صحفي إلى أن تأثيرها على الاقتصاد لا يزال أقل حدة من تأثير أزمة النفط في سبعينات القرن الماضي، عازياً ذلك أساساً إلى أن “الاقتصاد اليوم أقل اعتمادا على النفط بكثير مما كان عليه آنذاك”.

وأوضح أن “هناك مصادر طاقة أخرى كثيرة (راهناً)، وأصبح الاقتصاد العالمي أكثر كفاءة في تلبية احتياجاته من الطاقة لتوليد الثروة”، وهو ما يفسر “صمود الاقتصاد” في مواجهة الأزمة الحالية.

ويُتوقع أن تكون الولايات المتحدة من بين الدول الأقل تضرراً اقتصادياً من الحرب. وتوقع الصندوق نمواً بنسبة 2.3% في الولايات المتحدة في عام 2026، أي أقل بنسبة 0.1 نقطة مئوية من توقعاته السابقة في كانون الثاني.

ونظراً إلى ارتفاع أسعار النفط رفع الصندوق أيضاً توقعاته للتضخم الذي كان يشهد تباطؤاً.

ويتوقع الصندوق حالياً ارتفاعاً في الأسعار بمعدل 4.4% عالمياً أي أعلى بنسبة 0.6 نقطة مئوية من التوقعات السابقة في كانون الثاني.

الاقتصادات الناشئة تقاوم

يتفاوت تأثير الحرب سواء من حيث انخفاض النمو أو ارتفاع الأسعار على مستوى العالم.

في شأن النمو تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، الأكثر تضررا من آثار الحرب حيث انخفض النمو إلى النصف.

وشهدت المملكة العربية السعودية أكبر اقتصاد في المنطقة تراجعاً في توقعات نموها لتبلغ 3.1% لهذا العام أي أقل بـ1.4 نقطة مئوية من التقديرات السابقة للصندوق.

وخفض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.8% من 5.4% خلال العام المالي المقبل، فيما قلص توقعاته لنمو اقتصاد مصر بنهاية العام المالي الجاري إلى 4.2% من 4.7%.

وكما توقع الصندوق ارتفاع مستويات التضخم في مصر خلال العام المالي الحالي إلى 13.2% مقابل 12.4% في توقعاته السابقة. فيما توقع تراجع التضخم إلى 11.1% خلال العام المقبل، ولكنها تظل مرتفعة عن توقعه السابق بأن يتراجع التضخم إلى 9.3%.

في المقابل يُتوقع أن يكون التأثير ضئيلاً أو حتى معدوماً بالنسبة للاقتصادات الناشئة الكبرى، إذ لن تخسر الصين سوى 0.1% فقط من توقعات نموها هذا العام لتبلغ 4.4% بينما تم تعديل توقعات نمو الهند بزيادة تُقدّر بـ 0.1 نقطة مئوية إلى 6.5% والبرازيل بمقدار 0.3 نقطة مئوية إلى 1.9%.

ومن بين الدول الأخرى التي يُتوقع أن يزداد نموها روسيا، ويرجح أن يتخطى 1.1% هذا العام مقارنة بـ0.8% في التقدير السابق في كانون الثاني.

وأوضح غورينشاس لفرانس برس أن ارتفاع أسعار النفط يعد “خبراً ساراً لموسكو نظراً لعائدات التصدير. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتنا إلى رفع توقعاتنا لنمو روسيا”.

ومن بين الاقتصادات المتقدمة وبالإضافة إلى الولايات المتحدة، يبدو أن اليابان وكندا تتجاوزان الأزمة بشكل أفضل من أوروبا.

وتعد المملكة المتحدة الأكثر تضرراً بين الاقتصادات المتقدمة إذ شهدت توقعات نموها تراجعاً بنسبة 0.5 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات كانون الثاني، ويتوقع حاليا أن تحقق نموا بنسبة 0.8%.

كذلك شهدت توقعات النمو في منطقة اليورو تراجعا بنسبة 0.2 نقطة مئوية لتصل إلى 1.1% علما أن التأثير سيختلف بين دولة وأخرى، ففرنسا مثلاً أقل تأثراً من جارتيها إيطاليا وألمانيا وسجلت توقعات نموها انخفاضا بمقدار 0.1 نقطة، لتبلغ 0.9%.

مخاطر التطورات المعاكسة بآفاق الاقتصاد العالمي

قد يؤدي طول الصراع أو اتساعه، أو تفاقم التشرذم الجغرافي-السياسي أو إعادة تقييم التوقعات للإنتاجية المعززة بالذكاء الاصطناعي، أو تجدد التوترات التجارية، إلى إضعاف النمو بشكل كبير وزعزعة استقرار الأسواق المالية.

ويؤدي ارتفاع الدين العام وتراجع موثوقية المؤسسات إلى زيادة مواطن الضعف. وفي الوقت نفسه، يمكن زيادة النشاط الاقتصادي إذا تحققت مكاسب الإنتاجية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي بشكل أسرع أو إذا خفت حدة التوترات التجارية على أساس مستدام.

عوامل حاسمة لتجاوز الصدمة

ويشكل تعزيز القدرة على التكيف، والحفاظ على أطر موثوقة للسياسات، وتوطيد التعاون الدولي، عوامل ضرورية لتجاوز الصدمة الحالية، والاستعداد في الوقت نفسه لمواجهة الاضطرابات المستقبلية في بيئة عالمية يتزايد فيها عدم اليقين.

وأوضح صندوق النقد أن زيادة الإنفاق على الدفاع نتيجة تزايد التوترات الجغرافية-السياسية، قد تحفز النشاط الاقتصادي على المدى القصير، ولكنها تؤدي أيضاً إلى ضغوط تضخمية، وتضعف الاستدامة المالية والخارجية، وتنطوي على مخاطر مزاحمة الإنفاق الاجتماعي، مما قد يؤدي بدوره إلى إشعال فتيل السخط والقلاقل الاجتماعية.

وأشار الصندوق في تقريره الحديث لآفاق الاقتصاد العالمي إلى أنه عندما تندلع الصراعات، تكون المفاضلات الاقتصادية الكلية حادة تعقبها ندوب تستمر لفترة طويلة بعد الصدمة المباشرة للحرب.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *