يواجه قطاع الطيران العالمي، بعد مرور شهر على حرب إيران، واحدة من أكبر صدماته منذ جائحة كوفيد-19، مع إلغاء أكثر من 50 ألف رحلة في الشرق الأوسط، واضطرابات واسعة في حركة السفر، وسط خسائر بمليارات الدولارات.
أغلقت دول عدة في الشرق الأوسط مجالاتها الجوية، مع بدء الأزمة في 28 شباط 2026، من بينها الإمارات وقطر والعراق والكويت والبحرين وسوريا، إضافة إلى إسرائيل التي شن طيرانها الحربي ضربات على أهداف في إيران ثم في لبنان بعد عدّة أيام، ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الطيران خلال الأيام الأولى، وتعطل مراكز رئيسية مثل دبي والدوحة وأبوظبي.
وخلال الفترة بين 28 شباط و12 آذار، أُلغيت نحو 18.400 ألف رحلة عبر 9 مطارات رئيسية في المنطقة، بحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، التي قدّرت خسائر الإيرادات بنحو 1.89 مليار دولار خلال أول 12 يومًا فقط، بمتوسط يقارب 102 ألف دولار لكل رحلة ملغاة. كما تكبّدت شركات الطيران في المنطقة نحو 3.6 مليار دولار خلال الشهر الأول، وفق تقديرات أولية.
في المقابل، لا تزال التقديرات الشاملة للخسائر العالمية غير واضحة، في ظل صعوبة قياس الأثر المالي بدقة مع اختلاف استراتيجيات شركات الطيران في التحوط لأسعار الوقود، حسبما أوضحت شركة تحليلات الطيران OAG لفوربس الشرق الأوسط.
شلل في مراكز الطيران
تضررت المطارات الرئيسية في الخليج بشكل حاد، إذ تراجع عدد الرحلات اليومية في مطار دبي الدولي من نحو 626 رحلة قبل اندلاع الحرب إلى صفر في 1 آذار، قبل أن يتعافى تدريجيًا إلى 36% من مستوياته الطبيعية بحلول 8 آذار، ثم إلى 55% بحلول 12 آذار.
كما شهد مطار الدوحة توقفًا كاملًا لعدة أيام، فيما علّقت مطارات الكويت والبحرين عملياتها بالكامل خلال الأيام الأولى من الحرب، ما انعكس على حركة السفر العالمية، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الرحلات العابرة على هذه المراكز.
وقبل اندلاع الحرب، كان مطار دبي ثاني أكبر مطارات العالم ازدحامًا بحركة المسافرين الدوليين، بينما كانت حركة المسافرين في الدوحة تنافس مراكز كبرى مثل هونغ كونغ أو فرانكفورت.
وأوقفت أو علّقت شركات أوروبية وآسيوية رحلاتها إلى وجهات رئيسية في الشرق الأوسط لأشهر مقبلة وامتد بعضها حتى تشرين الأول، وأجّلت شركات أميركية مثل دلتا استئناف بعض خطوطها إلى أيلول.
وفي تطور لاحق، بدأت بعض دول المنطقة، من بينها البحرين والعراق وسوريا، إعادة فتح مجالاتها الجوية تدريجيًا، بعد أسابيع من الإغلاق، في خطوة قد تسهم في تخفيف حدة الاضطرابات، دون أن تعني عودة فورية إلى مستويات التشغيل الطبيعية.
إعادة رسم مسارات الطيران العالمية
أجبر إغلاق الأجواء شركات الطيران على إعادة توجيه رحلاتها عبر مسارات أطول، خاصة بين أوروبا وآسيا، ما أدى إلى زيادة استهلاك الوقود وارتفاع التكاليف التشغيلية.
وفي هذا السياق، قال المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي ويلي والش إن الحرب دفعت إلى “إعادة ضبط توزيع السعة التشغيلية”، مشيرًا إلى تراجع نمو السعة المتوقعة في آذار إلى 3.3%، مقارنة بتقديرات سابقة تجاوزت 5%.
كما أشار نائب رئيس إياتا، كامل العوضي، إلى أن إغلاق المجالات الجوية في الخليج أدى إلى إلغاء أكثر من 50 ألف رحلة خلال شهر واحد، مشيرًا إلى أن التأثير لم يقتصر على شركات المنطقة، بل امتد إلى شركات أوروبية وآسيوية، اضطرت لإلغاء عدد كبير من رحلاتها إلى الخليج، في ظل إغلاق الأجواء وتراجع الطلب بسبب المخاطر الأمنية.
ووفقًا لبيانات حصلت عليها فوربس الشرق الأوسط من شركة تحليلات الطيران OAG عبر البريد الإلكتروني، خفّضت شركات الطيران في الشرق الأوسط جداولها التشغيلية بنسبة تتراوح بين 75% و80% منذ اندلاع الأزمة، ما يعني تأثر آلاف الرحلات خلال أسابيع قليلة.
كما تراجعت حركة العبور عبر مراكز الطيران في المنطقة بشكل ملحوظ، في وقت كانت فيه الرحلات المباشرة بين آسيا وأوروبا تعمل عند مستويات امتلاء مرتفعة، ما دفع بعض المسافرين إلى إلغاء أو تأجيل رحلاتهم أو تغيير وجهاتهم.
الوقود يضغط على الربحية
يمثل الوقود ما بين 20% و25% من تكاليف شركات الطيران، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط عبئًا مباشرًا على هوامش الربح.
وقفزت أسعار وقود الطائرات من نحو 830 دولارًا للطن قبل اندلاع الحرب إلى أكثر من 1800 دولار للطن في مطلع نيسان، لتمثل نحو 45% من تكاليف شركات الطيران.
ومع تصاعد التوترات، لجأت شركات الطيران إلى رفع أسعار التذاكر، وتقليص السعة التشغيلية، وفرض رسوم إضافية على الوقود، وسط مخاوف من اضطرابات في الإمدادات، خاصة عبر مضيق هرمز.
وتُعد هذه الأزمة رابع صدمة نفطية يواجهها القطاع منذ مطلع القرن، بعد أزمات 2008، والربيع العربي في 2011، والحرب الروسية الأوكرانية في 2022.
في هذا السياق، قدّرت الخطوط الجوية اليابانية تكاليف إضافية بنحو 30 مليار ين (190 مليون دولار) شهريًا في حال استمرار ارتفاع الأسعار، بحسب فرانس برس.
فيما حذر الرئيس التنفيذي لشركة الطيران الأيرلندية رايان إير، مايكل أوليري، من احتمال تعطل إمدادات الوقود إلى أوروبا بدءًا من حزيران، ما قد يؤثر في تشغيل رحلات موسم الصيف.
كما تستعد شركات كبرى، من بينها لوفتهانزا، لاحتمال نقص في الوقود خارج أوروبا، بعد رصد مؤشرات مبكرة في بعض المطارات الآسيوية نتيجة محدودية الإمدادات.
وتشير تقديرات إياتا إلى أن ما بين 25% و30% من طلب أوروبا على وقود الطائرات يأتي من منطقة الخليج، ما يزيد من حساسية القطاع تجاه أي اضطرابات في الإمدادات.
وتتجه أسعار التذاكر للارتفاع تدريجيًا، إذ توقع الرئيس التنفيذي لشركة رايان إير، زيادة بنحو 3% إلى 4% خلال الفترة من نيسان إلى حزيران.
كما قال المدير العام لـ”إياتا”، ويلي والش، إن عودة إمدادات وأسعار وقود الطائرات إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق “أشهرًا”، حتى مع إعادة فتح مضيق هرمز.
طلب هش قبل موسم الذروة
تأتي هذه التطورات في وقت يقترب فيه موسم السفر الصيفي، ما يضع القطاع أمام اختبار حقيقي، في ظل ارتفاع الأسعار وضغوط تكلفة المعيشة.
وتُعد شركات الطيران منخفض التكلفة الأكثر عرضة للتأثر، نظرًا لحساسية عملائها للأسعار، مقارنة بشركات الطيران التي تستهدف المسافرين من رجال الأعمال.
ورغم ذلك، تشير تقديرات إياتا إلى أن التأثير الإجمالي على حركة السفر العالمية قد يظل محدودًا نسبيًا، إذ يمكن تعويض تراجع الطلب في منطقة الخليج—التي تمثل نحو 9% من الحركة العالمية—بزيادة في مناطق أخرى.
أزمة ممتدة بعد توقف الحرب
يحذر مسؤولون في القطاع من أن انتهاء الحرب لن يعني نهاية الأزمة، في ظل التحديات المرتبطة بتأمين الوقود، وارتفاع تكاليف التأمين، واستمرار اضطرابات سلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، قال ويلي والش إنه “من الصعب تحديد التأثير الكامل للحرب على قطاع الطيران دون معرفة مدتها وكثافتها”، فيما وصف العوضي الوضع بأنه “صعب للغاية”، في ظل غياب الاستقرار التشغيلي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مسار قطاع الطيران العالمي مرهونًا بتطورات الحرب، ومدى استمرار الضغوط على أسعار الطاقة والطلب العالمي على السفر.




