أخبار خاصة

في زمن الحروب والازمات …. الانفاق لتعويض التوتر

ناجي الخوري

في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتعاظم الضغوط اليومية، لم يعد الإنفاق مجرد سلوك اقتصادي بحت تحكمه معادلة الدخل والحاجة، بل تحول إلى مرآة دقيقة تعكس الحالة النفسية للفرد وتفاعله مع محيطه.

فبين فاتورة تُدفع على عجل، ومشتريات تُبرَّر تحت شعار “أستحق ذلك”، تختبئ أسئلة أعمق تتجاوز الأرقام: هل نحن نُنفق بدافع الحاجة، أم بدافع الشعور؟ وهل يمكن أن يكون المال، في بعض الأحيان، وسيلة للهروب من التوتر بدل أن يكون أداة لتنظيم الحياة؟

من هذا المنطلق، يبرز مفهوم علم النفس المالي كأحد المفاتيح الأساسية لفهم العلاقة المعقدة بين الإنسان والمال. هذا الحقل لا ينظر إلى القرارات المالية بوصفها نتائج حسابات عقلانية فقط، بل يربطها بالبنية العاطفية والسلوكية للفرد. فالتوتر، القلق، وحتى الشعور بالنقص أو فقدان السيطرة، كلها عوامل تدفع الإنسان أحيانًا إلى اتخاذ قرارات إنفاقية لا تعكس مصلحته الحقيقية، بل تلبي حاجة نفسية آنية.

ففي لحظات الضغط، يبحث الدماغ البشري بطبيعته عن مخرج سريع يعيد له شيئًا من التوازن، حيث يظهر الإنفاق كأحد أكثر الحلول سهولة وتوفرًا، اذ بضغطة زر، يمكن شراء منتج جديد، أو حجز تجربة، أو اقتناء شيء طالما كان مؤجلًا. فعل، رغم بساطته الظاهرية، يفعّل ما يُعرف بـ التعزيز الفوري، حيث يمنح الشراء شعورًا لحظيًا بالراحة أو السعادة، نتيجة إفراز هرمونات مرتبطة بالمكافأة.

غير أن هذا الأثر غالبًا ما يكون قصير الأمد، سرعان ما يتلاشى ليترك خلفه فراغًا نفسيًا، وربما عبئًا ماليًا إضافيًا.

ومع تكرار هذا النمط، يتحول الإنفاق من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى أداة تعويض عاطفي، فيما يُعرف بالشراء العاطفي. هنا، لا يعود القرار مرتبطًا بقيمة السلعة أو ضرورتها، بل بقدرتها على تحسين المزاج أو تخفيف التوتر. فشخص يمر بيوم صعب قد يجد نفسه يشتري ما لا يحتاجه، فقط لأنه يبحث عن شعور بالتحسن، وآخر يعيش حالة عدم استقرار قد يلجأ إلى الإنفاق كوسيلة لإعادة الإحساس بالسيطرة على حياته.

لكن المفارقة تكمن في أن هذا السلوك، رغم ما يوفره من راحة مؤقتة، قد يتحول إلى مصدر إضافي للضغط. فبعد لحظة “الرضا السريع”، تبدأ مرحلة التفكير والندم، خاصة إذا كان الإنفاق يفوق القدرة المالية أو يتعارض مع الأولويات، فيدخل الفرد في حلقة مفرغة: توتر يدفع إلى الإنفاق، وإنفاق يولّد توترًا أكبر، ما يعزز احتمال تكرار السلوك نفسه. وفي بعض الحالات المتقدمة، قد يتطور الأمر إلى ما يشبه اضطراب الشراء القهري، حيث يفقد الفرد السيطرة على سلوكه الشرائي رغم إدراكه لعواقبه.

سلوك لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يعيشه الفرد، خاصة في بيئات تتسم بعدم الاستقرار الاقتصادي أو السياسي. ففي مثل هذه الظروف، يتضاعف الشعور بعدم اليقين، ويزداد البحث عن وسائل تعويض سريعة، ليصبح الإنفاق، ولو بشكل غير واعٍ، محاولة لإعادة التوازن النفسي في عالم يبدو خارج السيطرة.

من جهة أخرى، تلعب الثقافة الاستهلاكية الحديثة دورًا في تعزيز هذا النمط. فوسائل التواصل الاجتماعي، والإعلانات الموجهة، ونمط الحياة القائم على المقارنة، كلها تغذي فكرة أن الشراء يمكن أن يكون طريقًا للسعادة أو النجاح. ومع هذا التدفق المستمر للرسائل، يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الحاجة الحقيقية والرغبة المدفوعة عاطفيًا.

في ضوء كل ذلك، يصبح السؤال “هل تنفق لتعوض توترك؟” أكثر من مجرد استفسار بسيط، بل دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالمال، وفهم الدوافع الخفية التي تحرك قراراتنا اليومية.

فوعي هذه العلاقة لا يساعد فقط على تحسين الوضع المالي، بل يفتح الباب أيضًا لفهم أعمق للذات، ولطرق التعامل مع التوتر بعيدًا عن الحلول المؤقتة التي قد تكلف أكثر مما تمنح.
هذه باختصار حياة اللبنانيين هذه الايام، في السوبرماركت، في السوق، وحتى في المطعم ….

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *