لماذا اليوم العالمي للمياه مهم؟
من رحم قمة الأرض في ريو دي جانير بالبرازيل عام 1992، وُلدت العديد من الاتفاقات لدعم صحة كوكب الأرض والحفاظ على موارده، ولعل أبرز 3 اتفاقيات هم: اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD).
وفي نفس القمة أيضًا خرجت أجندة 21، والتي تضمنت فصلًا كاملًا حول حماية جودة وإمدادات موارد المياه العذبة، وهو الفصل الثامن عشر، وعلى أساس هذا الفصل، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة لاحقًا من نفس العام “اليوم العالمي للمياه”، والذي ينطلق كل عام في يوم 22 آذار منذ العام 1993 حتى اليوم.
أزمة المياه
هناك نحو 4 مليار شخص حول العالم، يعاني من ندرة حادة في المياه لمدة شهر على الأقل سنويًا، بينما يعيش أكثر من 2 مليار إنسان في بلدان تعاني من ندرة المياه. وهذا يؤثر بالتبعية على الصحة العامة والنظافة الشخصية والزراعة والصناعة.
لذلك، يُعد الأمن المائي قضية قومية لدى بعض الدول، وتتزايد أزمة المياه مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث تتأثر دورة المياه، فتُعاني مناطق كثيرة من الجفاف والتصحر ونقص شديد في إمدادات المياه، إضافة إلى اضطرابات في أنماط الأمطار، ومع ذوبان الجليد، يرتفع مستوى سطح البحر؛ فتتسرب مياه البحر المالحة إلى المياه الجوفية، والتي تُعد أحد أهم مصادر المياه العذبة؛ خاصة في المناطق التي تفتقر للأنهار.
من جانب آخر، تجدر الإشارة إلى أنّ الحضارات القديمة قامت بالأساس حول الأنهار التي وفرت المياه والتربة الخصبة للزراعة، والتي على أساسها قامت الحضارة الإنسانية القديمة، وما زالت حتى اليوم مرجعًا للكثير من الشعوب، وإنّ الإنسان القديم كان يتنقل من مكان لآخر بحثًا عن المياه؛ فإذا نفدت في المناطق التي يعيش فيها، يشد الرحال إلى مناطق أخرى؛ فالماء سر الحياة. لذلك، لا عجب في أنّ هناك العديد من الحروب والنزاعات بين البشر حول مصادر المياه العذبة، وتشمل هذه النزاعات في كثير من الأحيان الأنهار العابرة للحدود. ما يؤثر في النهاية على الزراعة والغذاء والصحة والمعيشة بشكل عام. لذلك، هناك حاجة ملحة لتطبيق العدالة المائية.
ويُعلق الدكتور “دريد المحاسنة”، رئيس مجلس إدارة جمعية “إدامة” للمياه والطاقة والبيئة (EDAMA) في الأردن، لـ”العين الإخبارية”، قائلًا إنّ “العدالة المائية مصطلح تم اعتماده لحسم الخلافات، أو عدم وجود خلافات مستقبلًا بين الدول التي تتشارك في الأحواض المائية المشتركة، على سبيل المثال، نهر الراين يمر في 6 دول في أوروبا”، وبناءً عليه، عند تطبيق العدالة المائية، تعرف كل دولة حقوقها من المياه؛ فلا تحدث النزاعات.
لفتة!
ويُعد اليوم العالمي للمياه بمثابة أداة للتوعية بأزمات المياه التي تعاني منها شريحة واسعة من سكان الأرض، وإحياء للأنشطة والقرارات الداعمة للحفاظ على المياه والوصول إلى الفئات السكانية العامة وتوعيتهم حول قضايا المياه، وأهمية ترشيد استهلاك المياه وتقليل الهدر والمشاركة في مبادرات بيئية داعمة للمياه، وإبراز التأثيرات المختلفة على الأمن المائي مثل الزيادة السكانية والتغيرات المناخية والجفاف والفيضانات. إضافة إلى تذكير الأفراد في المجتمعات بضرورة الحفاظ على الأنهار والمياه العذبة لديهم من التلوث.
في البلاد العربية!
تتركز أغلب الدول العربية في المناطق الصحراوية، ففي شمال أفريقيا، تقع الدول العربية في منطقة الصحراء الكبرى، وكذلك في الشرق الأوسط وفي شبه الجزيرة العربية، تظهر الصحراء كجزء أساسي من الطبيعة هناك.
لذلك، نجد أنّ لدينا العديد من المجتمعات العربية التي تعاني بالفعل من ندرة المياه، فعلي سبيل المثال، دولة العراق التي يمر عبرها نهري دجلة والفراط، وهي دولة أحد أهم وأقدم وأعرق حضارات العالم، لكنها أشارت في جلسة استضافها الجناح العراقي خلال مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ في دورته الثامنة والعشرين (COP28)، الذي انعقد في إكسبو دبي بالإمارات العربية المتحدة في عام 2023، بتيسير من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أنّ دولة العراق تشهد خسارة فادحة من المياه تتراوح ما بين 8 إلى 12 مليون متر مكعب من المياه السطحية سنويًا، وفقدت منطقة الأهوار هناك -وهي منطقة تراثية ومهمة بيئيًا- ما يقرب من 78% من مياهها منذ العام 1973، وما زالت العراق تفقد كميات كبيرة من مياهها العذبة.
هذا بالإضافة إلى دول عربية أخرى تعاني من ندرة المياه، مثل سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وقطر والجزائر واليمن وليبيا؛ فالطبيعة المكانية لتلك البلاد مع التأثيرات المناخية تجعلها في مواجهة أزمة المياه.
إفلاس مائي وحاجة للمساواة!
أوضحت الأمم المتحدة في تقرير لها صادر في يناير/كانون الثاني من العام 2026 إلى أنّ العالم دخل في مرحلة “الإفلاس المائي”، في إشارة إلى أنّ العالم اليوم قد دخل مرحلة من عدم الاستقرار المائي؛ بحيث يصعب العودة مرة أخرى إلى الرفاهية المائية.
لكن الأمر لا يقتصر عند الإفلاس المائي؛ فهناك عدم مساواة بين الأفراد أو المساواة بين الجنسين في الحصول على المياه.
ويحل “اليوم العالمي للمياه” في نفس العام تحت شعار “حيثما تتدفق المياه، ينمو التساوي”، ويهدف الشعار إلى ضرورة التركيز على العلاقة بين المياه والمساواة بين الرجال والنساء؛ فعندما تتوفر المياه للجميع، تتحسن حياة الجميع؛ فهذا يدعم التساوي. كما يُشير إلى أنّ نقص المياه يؤثر على النساء والفتيات أكبر من الرجال، ويدعو لتمكين النساء في المشاركة في إدارة الموارد المائية.
يأتي اليوم العالمي للمياه كل عام لإحياء قضية أزمة المياه، ونشر التوعية بين الأفراد والمؤسسات المعنية، ويتيح مساحة لعرض أبرز التطورات في ملف المياه ورفع القضايا المائية على المسرح العالمي.


