ناجي الخوري
في كل مرة يدخل فيها العالم مرحلة اضطراب اقتصادي أو جيوسياسي، يعود الذهب ليتصدر النقاشات المالية والاستثمارية باعتباره المؤشر الأكثر حساسية على مستوى القلق العالمي. فالذهب ليس مجرد معدن نفيس يستخدم في صناعة الحلي أو كأداة ادخار تقليدية، بل هو في الواقع أحد أهم الأصول الاستراتيجية في النظام المالي الدولي.
عبر التاريخ، شكل المعدن الأصفر الملاذ الأخير لرؤوس الأموال في أوقات الأزمات، سواء كانت تلك الأزمات مالية أو سياسية أو حتى عسكرية. من هنا، فإن السؤال المطروح اليوم بقوة: هل نحن أمام لحظة مناسبة لشراء الذهب أم أن الوقت قد حان لبيعه وجني الأرباح؟
في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، من تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى التحولات في السياسات النقدية العالمية، أصبح الذهب مرة أخرى في قلب المعادلة الاقتصادية الدولية. فالنظام المالي العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم أساساً على هيمنة الدولار، يواجه اليوم تحديات متزايدة، سواء بسبب الصراعات الدولية المتفاقمة أو نتيجة استخدام الأدوات المالية والعقوبات الاقتصادية كسلاح سياسي في الصراعات بين الدول.
في مثل هذه البيئات المضطربة، تتجه الدول والمؤسسات المالية الكبرى، وكذلك المستثمرون الأفراد، إلى البحث عن أصول أكثر أماناً واستقراراً، وهو ما يعيد الذهب إلى واجهة الاهتمام باعتباره أصلاً لا يرتبط مباشرة بعملة أو اقتصاد بعينه.
جاذبية متجددة لا يمكن فهمها من دون النظر إلى التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة.
فبعد عقود من الاستقرار النسبي في معدلات التضخم وأسعار الفائدة، دخل العالم منذ جائحة كورونا في مرحلة جديدة اتسمت بتقلبات حادة في السياسات الاقتصادية والمالية، اذ اضطرت البنوك المركزية إلى ضخ كميات هائلة من السيولة في الأسواق لدعم الاقتصادات المتضررة، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى موجات تضخمية غير مسبوقة منذ عقود. ومع ارتفاع معدلات التضخم، بدأ المستثمرون بالبحث عن أدوات تحمي ثرواتهم من تآكل القيمة الحقيقية للنقود، وكان الذهب في طليعة هذه الأدوات.
لكن المشهد لم يتوقف عند حدود التضخم فقط. فالعالم يواجه أيضاً تباطؤاً في النمو الاقتصادي في العديد من الاقتصادات الكبرى، إلى جانب ارتفاع مستويات الديون السيادية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة. فالكثير من الدول الكبرى باتت تعتمد على سياسات مالية ونقدية توسعية للحفاظ على استقرار اقتصاداتها، ما يزيد من المخاوف بشأن استدامة هذه السياسات على المدى الطويل.
في مثل هذا السياق، يميل المستثمرون إلى تعزيز حيازاتهم من الأصول المادية التي تحافظ على قيمتها عبر الزمن، وفي مقدمتها الذهب.
إلى جانب العوامل الاقتصادية، تلعب التطورات الجيوسياسية دوراً محورياً في تحديد اتجاهات الذهب. فالتاريخ يثبت أن كل مرحلة توتر أو صراع دولي كبير كانت تدفع أسعار الذهب إلى الارتفاع. ويرجع ذلك إلى أن الحروب والأزمات السياسية تزيد من مستويات عدم اليقين في الأسواق، ما يدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم والعملات، والاتجاه نحو الأصول الآمنة. وفي السنوات الأخيرة، شهد العالم تصاعداً واضحاً في الصراعات الجيوسياسية، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط أو آسيا، وهو ما ساهم في تعزيز الطلب العالمي على الذهب.
كما أن أحد التطورات اللافتة في السنوات الأخيرة يتمثل في التحول الكبير في سياسات البنوك المركزية تجاه الذهب. فبعد عقود كانت خلالها العديد من هذه البنوك تميل إلى تقليص احتياطياتها من المعدن الأصفر، بدأت منذ سنوات قليلة موجة واسعة من عمليات شراء الذهب، خصوصاً من قبل الاقتصادات الناشئة.
تحول يعكس رغبة متزايدة لدى هذه الدول في تنويع احتياطياتها النقدية وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية، وخاصة الدولار. وقد أدى هذا الطلب الرسمي المتزايد إلى دعم أسعار الذهب وتعزيز مكانته كأصل استراتيجي في الاحتياطيات الدولية.
غير أن الصورة ليست أحادية الاتجاه بالكامل. فأسواق الذهب، مثلها مثل أي سوق مالية أخرى، تخضع لدورات صعود وهبوط، كما تتأثر بعوامل متعددة من بينها تحركات أسعار الفائدة وقوة الدولار وتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فارتفاع أسعار الفائدة، على سبيل المثال، قد يقلل من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول المدرة للعائد مثل السندات. كما أن قوة الدولار عادة ما تشكل ضغطاً على أسعار الذهب، نظراً لأن المعدن الأصفر يتم تسعيره عالمياً بالعملة الأميركية.
من هنا، فإن تقييم ما إذا كانت اللحظة الحالية تمثل فرصة للشراء أو للبيع يتطلب قراءة مركبة لمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والمالية والجيوسياسية. فالمسألة لا تتعلق فقط بمستوى السعر الحالي للذهب، بل أيضاً بالاتجاهات الكبرى التي قد تحدد مسار الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة. وفي عالم تتزايد فيه الضبابية وتتراجع فيه القدرة على التنبؤ بالتحولات الكبرى، يبقى الذهب بالنسبة لكثير من المستثمرين بمثابة “بوليصة تأمين” مالية تحمي الثروات من الصدمات غير المتوقعة.
عليه، فإن النقاش حول ما إذا كان الوقت مناسباً لشراء الذهب أو بيعه يعكس في الواقع سؤالاً أعمق: إلى أي مدى يمكن الوثوق باستقرار النظام المالي العالمي في المرحلة المقبلة؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد في نهاية المطاف الدور الذي سيواصل الذهب لعبه في الاقتصاد العالمي، سواء كملاذ آمن في أوقات الأزمات أو كأصل استثماري استراتيجي في عالم يزداد تقلباً وتعقيداً يوماً بعد يوم.







