عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
في كل مرة ترتفع فيها أسعار النفط في الأسواق العالمية، يعود الاقتصاد اللبناني ليواجه واحدة من أكثر نقاط ضعفه البنيوية: الاعتماد شبه الكامل على الطاقة المستوردة. ومع تجاوز سعر برميل النفط في بعض الفترات عتبة 110 و120 دولاراً، تتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على المالية العامة وقطاع الكهرباء وكلفة المعيشة، في بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث.
فالنفط في لبنان ليس مجرد سلعة أساسية، بل عنصر محوري في بنية الاقتصاد. من الكهرباء إلى النقل، ومن الصناعة إلى الغذاء، يتغلغل تأثير الطاقة في معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية. ولذلك فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية يتحول سريعاً إلى ضغط إضافي على الموازنة العامة وعلى القدرة الشرائية للأسر.
اقتصاد مكشوف بالكامل على الأسواق العالمية
تُظهر بيانات الطاقة أن لبنان يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين احتياجاته من الطاقة، إذ تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن أكثر من 95 في المئة من استهلاك الطاقة في البلاد يأتي من الخارج. ويشمل ذلك البنزين والمازوت والفيول والغاز المنزلي، إضافة إلى الوقود المستخدم في معامل إنتاج الكهرباء.
ويبلغ الاستهلاك اللبناني من المشتقات النفطية نحو 110 إلى 120 ألف برميل يومياً، أي ما يقارب 40 مليون برميل سنوياً. وهذا الحجم الكبير من الاستيراد يجعل الاقتصاد اللبناني شديد الحساسية لأي ارتفاع في الأسعار العالمية.
فكل زيادة في سعر البرميل تعني تلقائياً ارتفاعاً في فاتورة الاستيراد، وهو ما يضغط على ميزان المدفوعات وعلى الطلب المحلي على الدولار، في اقتصاد يعاني أصلاً من شح في العملات الأجنبية منذ الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019.
فاتورة الطاقة… عبء متزايد على الاقتصاد
تشكل واردات الطاقة أحد أكبر مكونات فاتورة الاستيراد في لبنان. ومع ارتفاع سعر النفط من مستويات تقارب 80 دولاراً للبرميل إلى حدود 120 دولاراً، يمكن أن ترتفع فاتورة الاستيراد بما يتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار سنوياً.
وهذه الزيادة ليست مجرد رقم إضافي في ميزان المدفوعات، بل عامل قد يساهم في تعميق الاختلالات الاقتصادية. فارتفاع فاتورة الاستيراد يعني زيادة الطلب على الدولار لتمويل شراء الوقود، ما قد يضيف ضغوطاً إضافية على سعر الصرف وعلى الاستقرار النقدي.
كما أن ارتفاع كلفة الطاقة يرفع أيضاً كلفة الإنتاج في عدد كبير من القطاعات الاقتصادية، ما يؤدي إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى الأسواق المحلية.
الكهرباء… الحلقة الأكثر هشاشة في الاقتصاد
يبقى قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات تأثراً بارتفاع أسعار النفط، ليس فقط بسبب اعتماد معامل الإنتاج على الفيول والغاز أويل، بل أيضاً بسبب الأزمة البنيوية التي يعاني منها القطاع منذ عقود.
فقد أدى نقص الاستثمار في البنية التحتية وقدم المعامل وارتفاع معدلات الهدر التقني وغير التقني إلى جعل إنتاج الكهرباء مكلفاً وغير كافٍ لتلبية الطلب المحلي.
ومع ارتفاع أسعار النفط، ترتفع تلقائياً كلفة إنتاج الكهرباء. وتشير التقديرات إلى أن كلفة الكيلوواط ساعة قد ترتفع من نحو 18 إلى 20 سنتاً عندما يكون النفط عند 80 دولاراً إلى أكثر من 25 سنتاً عندما يصل إلى حدود 120 دولاراً.
هذا الواقع يضع الجهات المعنية أمام خيارين صعبين: إما زيادة التعرفة على المستهلكين أو تقليص الإنتاج لتخفيف الكلفة التشغيلية، ما يعني عملياً زيادة ساعات التقنين.
وقد شكلت خسائر مؤسسة كهرباء لبنان تاريخياً أحد أبرز مصادر العجز في المالية العامة اللبنانية، إذ تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن دعم قطاع الكهرباء كلف الدولة أكثر من 40 مليار دولار خلال العقود الماضية.
اقتصاد المولدات… فاتورة طاقة مضاعفة
في ظل التقنين المزمن للكهرباء الرسمية، نشأ في لبنان ما يمكن تسميته “اقتصاد المولدات الخاصة”. فمعظم الأحياء والمناطق تعتمد على مولدات تعمل على المازوت لتأمين الكهرباء لساعات طويلة يومياً.
لكن هذه المولدات ترتبط مباشرة بأسعار النفط، ما يعني أن أي ارتفاع في سعر البرميل يؤدي إلى زيادة كلفة المازوت، وبالتالي ارتفاع فواتير الاشتراك التي يدفعها المواطنون.
وفي العديد من المناطق، أصبحت كلفة الكهرباء من المولدات تتراوح بين 250 و350 دولاراً شهرياً للشقق المتوسطة، وقد تتجاوز 400 دولار للمنازل الكبيرة، وهو ما يمثل عبئاً كبيراً على الأسر اللبنانية.
البنزين والنقل… انتقال التضخم إلى الاقتصاد
يمتد تأثير ارتفاع أسعار النفط أيضاً إلى قطاع النقل، حيث ترتبط أسعار البنزين في لبنان مباشرة بالأسعار العالمية.
فمع ارتفاع سعر البنزين، ترتفع كلفة التنقل اليومي للمواطنين، سواء عبر السيارات الخاصة أو سيارات الأجرة أو النقل المشترك. كما ترتفع كلفة نقل البضائع، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار السلع في الأسواق.
وتؤدي هذه الحلقة إلى انتقال تأثير النفط إلى معظم القطاعات الاقتصادية، من الغذاء إلى الخدمات، ما يساهم في تغذية موجة تضخم إضافية في اقتصاد يعاني أصلاً من ارتفاع كبير في الأسعار.
تداعيات اجتماعية في بلد يعاني أصلاً من الأزمة
تأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه لبنان يعاني من تداعيات الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، والتي أدت إلى تراجع كبير في مستوى الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وفي ظل هذا الواقع، يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة المعيشة بشكل ملحوظ، لأن الطاقة أصبحت تشكل جزءاً كبيراً من الإنفاق الشهري للأسر، سواء من خلال فواتير الكهرباء أو كلفة النقل والتدفئة.
كما أن ارتفاع الأسعار يضغط بشكل خاص على الطبقة الوسطى التي تضررت بشكل كبير خلال السنوات الماضية نتيجة انهيار العملة وارتفاع التضخم.
ثلاثة مسارات محتملة لأسعار النفط
يعتمد حجم التأثير على الاقتصاد اللبناني إلى حد كبير على مسار أسعار النفط العالمية في الفترة المقبلة.
• عند مستوى 100 دولار للبرميل: يكون التأثير متوسطاً مع ارتفاع محدود في أسعار الوقود.
• عند 120 دولاراً: ترتفع كلفة الكهرباء والمولدات والنقل بشكل واضح.
• فوق 150 دولاراً: قد يواجه لبنان أزمة طاقة أكثر حدة مع تضخم مرتفع وزيادة التقنين الكهربائي.
وفي ظل غياب إنتاج محلي للطاقة، يبقى الاقتصاد اللبناني مكشوفاً بالكامل تقريباً أمام تقلبات الأسواق العالمية.
أزمة تكشف خللاً بنيوياً في نموذج الطاقة
تكشف موجات ارتفاع النفط المتكررة هشاشة نموذج الطاقة في لبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على الوقود المستورد لتشغيل الاقتصاد.
ولهذا يرى خبراء الطاقة أن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في معالجة آثار ارتفاع الأسعار، بل في إعادة بناء قطاع الطاقة على أسس جديدة، تشمل:
• إصلاح قطاع الكهرباء
• تقليل الهدر في الشبكة
• تحديث معامل الإنتاج
• توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية.
فمن دون هذه الإصلاحات، سيبقى الاقتصاد اللبناني عرضة لصدمات النفط العالمية.
في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، يتحول النفط إلى عامل حاسم في تحديد مسار الاستقرار الاقتصادي. فكل ارتفاع في سعر البرميل ينعكس سريعاً على فاتورة الاستيراد وكلفة الكهرباء والنقل والمعيشة.
وهكذا يبقى لبنان، إلى حد كبير، رهينة برميل النفط وتقلبات الأسواق العالمية، إلى أن يتمكن من بناء نظام طاقة أكثر تنوعاً واستقلالية.







