تشهد سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية واحدة من أكبر الهزات منذ سنوات، بعدما أدى اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط إلى توقف جزء ضخم من الإمدادات القادمة من قطر، ثاني أكبر مصدر للغاز المسال في العالم، ما فتح الباب واسعاً أمام الشركات الأميركية لتعزيز حصتها من السوق في لحظة توصف بأنها تاريخية.
فقد أعلنت قطر وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف إيران منشأتين رئيسيتين، في رد على الضربات الأميركية – الإسرائيلية التي أودت بحياة المرشد الإيراني علي خامنئي. ويأتي التعطل على نحو غير مسبوق، نظراً لأن الدوحة تسيطر على نحو 20% من الإمدادات العالمية، وفق بيانات شركة “Kpler” المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة.
عجز عالمي مفاجئ.. والأسعار تقفز
قال خبير أسواق الغاز في شركة “Rapidan Energy”، أليكس مونتون، إن العالم يشهد انكماشاً حاداً في الإمدادات، مضيفاً: “لقد فقد العالم 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال دفعة واحدة، وهذا يترك السوق في حالة عجز واضحة.”
ويستخدم الغاز الطبيعي المسال، الذي يتم تبريده إلى 260 درجة فهرنهايت تحت الصفر ثم شحنه على ناقلات متخصصة، في توليد الكهرباء والتدفئة.
ومع خروج إنتاج قطر من السوق، شهدت أسهم الشركات الأميركية المنتجة قفزات قوية، إذ ارتفعت أسهم شركة “Cheniere” بنحو 7%، بينما قفز سهم “فينتشر غلوبال” بنحو 24% خلال الأسبوع.
قال الرئيس التنفيذي لشركة “فينتشر غلوبال”، مايكل سابل، خلال مكالمة أرباح الربع الرابع إن الولايات المتحدة تمتلك أكبر طاقة إنتاجية إضافية متاحة عالمياً، مضيفاً: “سنلعب دوراً محورياً في هذا الاضطراب التاريخي، ونبقى مستعدين لتلبية احتياجات السوق والحفاظ على استقراره.”
إغلاق مضيق هرمز يفاقم أزمة الطاقة
الأزمة لا تتوقف عند حدود تعطل إنتاج قطر، فإيران أعلنت أيضاً إغلاق مضيق هرمز، أهم ممر مائي للطاقة في العالم. ومع توقف حركة ناقلات النفط والغاز كإجراء احترازي من الشركات المالكة، وجدت الأسواق نفسها أمام سيناريو أقرب إلى الأسوأ.
بدوره، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء أن بلاده ستوفر تأميناً سياسياً وضمانات مالية للناقلات العابرة للمضيق، بل وستقدم مرافقة بحرية إذا لزم الأمر، في خطوة تهدف لطمأنة الأسواق العالمية.
مرونة الغاز الأميركي.. عنصر القوة في لحظة الأزمة
صدّرت الولايات المتحدة العام الماضي نحو 108 ملايين طن متري من الغاز المسال، ويقول مونتون إن المنتجين الأميركيين يعملون بالفعل بكامل طاقتهم، وبالتالي لن يكون بالإمكان زيادة الإنتاج في المدى القصير.
لكن قوة الغاز الأميركي تكمن في شيء آخر: مرونة عقود البيع.
فالشحنات الأميركية غير مرتبطة بوجهات محددة، ما يسمح بإعادة توجيهها سريعاً إلى الأسواق الأكثر احتياجاً أو القادرة على الدفع بسعر أعلى.
وأضاف مونتون: “رأينا هذه المرونة في 2022 بعد غزو روسيا لأوكرانيا، حين سارعت أوروبا لتعويض الغاز الروسي عبر مشتريات ضخمة من الغاز الأميركي.”
ورغم أن إمدادات الولايات المتحدة لا تستطيع تعويض فقدان الإمدادات القطرية بالكامل، فإن المشترين الأكثر احتياجاً – خصوصاً في آسيا – سيدفعون أسعاراً أعلى لاستقطاب الشحنات.
وتشير بيانات “كيبلر” إلى أن نحو 90% من صادرات قطر تتجه إلى آسيا، بينما يحصل الأوروبيون على الحصة المتبقية. ومع اختفاء هذه الإمدادات، ارتفعت العقود الأوروبية بأكثر من 80% خلال الأسبوع.
وقال كبير محللي النفط في “كيبلر” مات سميث: “قفزة الأسعار في أوروبا تعود لأن القارة أصبحت مضطرة الآن لمنافسة الطلب الآسيوي الذي يبحث عن بديل للغاز القطري.”
الاحتمالات الروسية.. وواقع أكثر تعقيداً
لا توجد مؤشرات واضحة على موعد عودة إنتاج قطر، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز. ويتوقع خبراء “Rapidan Energy” أن يبقى المضيق مغلقاً من أسبوعين إلى أربعة أسابيع على الأقل، مع عودة تدريجية للإنتاج بعدها.
وأشارت شركة “رستاد إنرجي” إلى احتمال دخول الغاز الروسي على خط الإمدادات إذا طال أمد الأزمة، لكن ذلك لن يكون ممكناً إلا برفع العقوبات المفروضة على موسكو، وهو أمر غير مرجح تماماً، لأنه يتعارض مع المصالح الأميركية ويضر بخطط توسعة الغاز الأميركي.
أوروبا أمام سيناريو كارثي
أوروبا تجد نفسها الآن أمام أزمة جديدة. ففي 18 مارس يبدأ تنفيذ الحظر الأوروبي على واردات الغاز الروسي – سواء خطوط الأنابيب أو الغاز المسال – بشكل تدريجي، وفي الوقت نفسه تفقد القارة إمداداتها القادمة من قطر.
قال مونتون: “أوروبا لم تتعاف بالكامل من أزمة الطاقة التي فجرها غزو أوكرانيا… والآن تجد نفسها أمام أزمة جديدة.”



