أخبار خاصة

الانقاذ على حساب من.. معادلة الدولة :ضرائب مقابل زيادة رواتب من جيوب المواطنين: متى الانفجار الاجتماعي ؟

ناجي الخوري

في بلدٍ كلبنان، حيث تحوّل الانهيار المالي من أزمة عابرة إلى واقع يومي، لم يعد النقاش حول الضرائب ترفاً أكاديمياً أو بنداً تقنياً في موازنة عامة، بل بات سؤالاً وجودياً يرتبط بمفهوم الدولة نفسها: من يمولها؟ وكيف؟ وعلى حساب من؟

فمنذ خريف 2019، تبدّلت صورة الاقتصاد اللبناني جذرياً: انهارت العملة الوطنية، تآكلت الرواتب، تقلّصت الودائع، وارتفع معدل الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، فيما الدولة، المثقلة بعجز مزمن ودين عام متراكم، تبحث عن إيرادات بأي وسيلة لتغطية نفقاتها الأساسية، حيث المشكلة لم تكن يوماً في غياب الضرائب بحدّ ذاتها، بل في فلسفتها، وعدالتها، ووجهتها.

قبل أزمة ٢٠١٩، اعتمد النموذج اللبناني على بنية ريعية واضحة: قطاع مصرفي يستقطب الودائع بفوائد مرتفعة، قطاع عقاري يتغذى من التحويلات الخارجية، وقطاعات احتكارية مغلقة تحقق أرباحاً مضمونة.

في المقابل، بقيت القاعدة الإنتاجية ضعيفة، والزراعة والصناعة على الهامش، فيما شكّلت الضرائب غير المباشرة، وعلى رأسها الضريبة على القيمة المضافة، العمود الفقري لإيرادات الخزينة. بنية جعلت العبء الضريبي يميل عملياً نحو المستهلكين وأصحاب الدخل المحدود، أكثر مما يطال أصحاب الرساميل الكبرى أو المستفيدين من الريوع.

اليوم، ومع تقلّص حجم الاقتصاد الرسمي واتساع الاقتصاد النقدي، تجد الدولة نفسها أمام معادلة معقدة: الحاجة الملحّة إلى إيرادات لتمويل الخدمات العامة، في مقابل واقع اجتماعي هشّ لا يحتمل أعباء إضافية. فهل يكون الحل بزيادة نسب الضرائب القائمة؟ أم بإبداع رسوم جديدة تطال الاستهلاك والسلع الأساسية؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك، وتتطلب إعادة صياغة شاملة للعقد الضريبي بين الدولة والمواطن؟

في جوهرها، ليست الضرائب مجرد وسيلة جباية، بل أداة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية. في الأنظمة “الطبيعية”، يدفع القادرون نسبة أعلى من مداخيلهم وثرواتهم، فيما تُحمى الفئات الضعيفة عبر إعفاءات أو نسب مخفّضة. أما في الاقتصادات المختلّة، فتتحول الضرائب إلى أداة ضغط على الحلقة الأضعف، لأن تحصيلها أسهل سياسياً وإدارياً.

هنا يكمن التحدي اللبناني: كيف يمكن نقل العبء من الاستهلاك إلى الثروة؟ ومن الدخل المحدود إلى الأرباح الريعية؟ ومن الاقتصاد المنتج إلى الأنشطة الاحتكارية؟

أكيد ان أي حديث جدي عن إصلاح ضريبي في لبنان يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن الأزمة ليست مالية فحسب، بل بنيوية. فجزء كبير من النشاط الاقتصادي ما زال خارج المظلّة الضريبية، سواء بسبب التهرب المنظم، أو التهريب عبر الحدود، أو توسّع الاقتصاد النقدي بالدولار.

هذا يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بنسبة الضريبة، بل بقدرة الدولة على التحصيل والرقابة والشفافية. فقبل التفكير في رفع أي رسم أو استحداث ضريبة جديدة، يصبح السؤال البديهي: لماذا لا تُجبى الضرائب المفروضة أصلاً بكفاءة وعدالة؟

إلى جانب ما تقدم، تطرح المرحلة الراهنة إشكالية الثقة. فالمواطن الذي فقد جزءاً كبيراً من مدخراته، وشهد تدهور الخدمات العامة من كهرباء ومياه واستشفاء وتعليم، لن يقتنع بسهولة بضرورة دفع المزيد ما لم يلمس تغييراً فعلياً في إدارة المال العام.

ففي نهاية المطاف ينظر الى الضريبة، كعقد غير مكتوب: يدفع المواطن مقابل خدمة وأمان واستقرار. وعندما يختلّ هذا التوازن، تتآكل شرعية الجباية نفسها.

من هنا، فإن النقاش حول “من أين يجب أن تؤخذ الضرائب فعلاً” يتجاوز التقنية المحاسبية إلى الخيار السياسي. هل تُحمَّل الكلفة مجدداً للطبقات الوسطى والفقيرة عبر ضرائب استهلاكية ورسوم عشوائية؟ أم يُعاد النظر في الإعفاءات والامتيازات التي تمتّعت بها قطاعات ريعية لعقود؟ هل تُفرض ضريبة تصاعدية فعلية على الأرباح الكبيرة والثروات غير المنتجة؟ وهل يمكن معالجة ملف الأملاك العامة المستثمرة بأثمان زهيدة، والاحتكارات التي راكمت أرباحاً استثنائية في غياب المنافسة؟

تظهر تجارب دول خرجت من أزمات حادة، مثل الأرجنتين واليونان، أن الإصلاح الضريبي الناجح لا يقوم فقط على زيادة الإيرادات، بل على إعادة توزيع عادلة تعيد الثقة وتحدّ من التفاوت. فالمعادلة الدقيقة تكمن في توسيع القاعدة الضريبية أفقياً عبر دمج الاقتصاد غير المنظم، وعمودياً عبر تصاعدية حقيقية تطال الفئات الأكثر قدرة.

في المحصلة، يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما الاستمرار في سياسات ترقيعية تبحث عن موارد سريعة ولو على حساب الاستقرار الاجتماعي، أو الشروع في إصلاح ضريبي عميق يعيد تعريف الأولويات. فالأزمة، رغم قسوتها، تفتح نافذة لإعادة بناء النظام المالي على أسس أكثر عدالة وشفافية. فالسؤال الذي سيحسم الاتجاه ليس كم يمكن أن تجبي الدولة، بل من تختار أن تحمّله عبء الإنقاذ، وكيف توازن بين الحاجة إلى الإيرادات وحق المواطنين في العيش الكريم.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *