قبل ما يزيد قليلا عن عام، كان الأجر المتعارف عليه للمحامين المتميزين في الولايات المتحدة في حدود 2500 دولار في الساعة. أما الآن، فيبدو هذا الأجر زهيدا للغاية، إذ يحصل الشركاء المتميزون على أجور مرتفعة وغير مسبوقة.
من الأمثلة، رفع كريستوفر كلارك، المحامي المتخصص في التقاضي لدى شركة محاماة صغيرة، أجره بالساعة إلى مستوى لم يكن يُتصور سابقا، وهو 3000 دولار. وأوضح أنه لم يتلقّ أي اعتراض من العملاء، لكنه تلقى تعليقا لافتا من أحدهم: “تهانينا، هذا أعلى أجر رأيناه على الإطلاق”.
ووفق صحيفة وول ستريت جورنال، ارتفعت أتعاب المحاماة بوتيرة أسرع بكثير من معدل التضخم لسنوات، وتحاول الشركات كبح جماح الإنفاق عبر الضغط على مكاتب المحاماة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية، والتحكم في أجور المحامين المبتدئين.
لكن الوضع مختلف تمامًا في أعلى مستويات المهنة، حيث يسعى كبار المحامين المتخصصين في التقاضي، وصانعو الصفقات التجارية الناجحة، والمحامون المخضرمون في المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا، إلى رفع أجورهم بقوة غير مسبوقة دون مواجهة مقاومة تُذكر.
وقالت المستشارة القانونية العامة لشركة “إنتويت”، كيري ماكلين، والتي تتولى مهمة التعاقد مع مكاتب المحاماة للأعمال القانونية الخارجية: “السؤال دائمًا هو: هل يستحقون ذلك؟ بعض هؤلاء المحامين يستحقون ذلك بالفعل، إنهم يفهمون القطاع، ولديهم شبكة علاقات واسعة وخبرة كبيرة.”
رفع كلارك أتعابه بنحو 30% منذ أن ترك منصبه في إحدى الشركات الكبرى قبل أربع سنوات. وبصفته محاميا لعملاء من بينهم هانتر بايدن، ومارك كوبان، وإيلون ماسك، فإنه لا يزال يعتبر أتعابه مناسبة جدا، قائلا: “هناك عدد قليل جدا من المحامين القادرين على حل الأزمات بمجرد مكالمة هاتفية”.
ويُذكر أن بعض كبار المحامين يتقاضون الآن ما يصل إلى 3400 دولار أميركي في الساعة في أكبر مكاتب المحاماة في البلاد، وفق بيانات شركة Percipient، التي يستخدمها المحامون الداخليون لتحليل فواتيرهم القانونية.
وفي أكبر 50 شركة محاماة، ارتفعت أجور الشركاء بنسبة 16% في المتوسط العام الماضي.
وفي ملفات محكمة الإفلاس، أفادت شركتا “لاثام آند واتكينز” و”كيركلاند آند إليس”، بأن أجور بعض الشركاء سترتفع إلى أكثر من 3000 دولار أمريكي في الساعة هذا العام.
وقبل عقد من الزمن، أثار محامون بارزون استغرابًا واسعًا عندما رفعوا أجورهم إلى 1500 دولار أمريكي في الساعة. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الأجور بشكل حاد لأسباب عدة، منها ازدياد المنافسة على الكفاءات وارتفاع مخاطر التقاضي وإبرام الصفقات التجارية، وربما الأهم الرغبة في التميز.
بل إن بعض المحامين ذوي المهارات المتخصصة يرفعون الحد الأقصى للأجور بشكل أكثر جرأة.
فقد أبلغ الشريك في إحدى شركات جنوب كاليفورنيا، إريك تراوتمان، عملاءه بالفعل أنه سيرفع أجوره إلى 6000 دولار أميركي مقابل الاستشارات المتعلقة بقضايا الامتثال في تخصصه الدقيق، وهو تنظيم قطاع الاتصالات. وكان يتقاضى العام الماضي 4200 دولار أميركي في الساعة. وقد تردد بعض العملاء المحتملين ولجأوا إلى محامين آخرين لإنجاز أعمالهم، لكنه لا يزال مثقلًا بالعمل.
وقال تراوتمان: “الأمر ببساطة يتعلق بالعرض والطلب، إذا أردتم ما أعتبره المعيار الذهبي، فهذه هويتنا وهذا ثمنها.”
ويقول بعض المحامين إنهم رفعوا أتعابهم إلى 3000 دولار أو أكثر استجابة لتقارير إعلامية عن قيام اثنين من كبار المحامين – بمن فيهم أليكس سبيرو ونيل كاتيال، المتخصص في قضايا المحكمة العليا – بفرض هذه الأتعاب.
ويقول المحامي السابق في الشركات ديفيد لات: “تحديد هذه الأتعاب أقرب إلى الفن منه إلى العلم، وفي مرحلة معينة، يصبح الأمر مجرد حيلة دعائية لبعض مكاتب المحاماة.”
ورفع اثنان من الشركاء البارزين في مكتب سوسمان غودفري، بيل كارمودي ونيل مان، أتعابهما إلى 4000 دولار في الساعة هذا العام.
لكن كارمودي يقول إن أتعابه عادةً تُدفع بموجب اتفاقيات مع موكليه، قد تتضمن حدًا أقصى إجماليًا أو دفعًا مشروطًا بالفوز فقط. وأضاف: “يمكنني تقييم القضية وتحديد قيمتها، ثم أبحث عن إمكانية إنهاء القضية بسرعة وهدوء”.
وفق تقرير سابق لشبكة سكاس نيوز، مثل كارمودي شركة أوبر في معركة قضائية بارزة ضد شركة Waymo بشأن مزاعم تسريب أسرار تجارية، وأسفرت عن تسوية بقيمة 245 مليون دولار تقريبا، وفاز مؤخرا بدعوى جماعية ضد غوغل. كما فاز بحكم هيئة محلفين بقيمة 4.7 مليار دولار ضد دوري كرة القدم الأميركية (NFL) في دعوى احتكار تتعلق بتسعير تذاكر يوم الأحد (أُلغي الحكم لاحقًا).
عادةً ما يتقاضى كارمودي أتعابه بالساعة كإجراء مؤقت ريثما يتوصل إلى اتفاق بشأن الأتعاب.
ويبدو أن هناك مراجعة وشيكة لأتعاب الأعمال الروتينية، وبدأت الشركات في إنجاز المزيد من الأعمال القانونية داخليًا بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إكمال الملفات التنظيمية المعقدة، وإجراء الفحص النافي للجهالة لعمليات الاندماج والاستحواذ، ومراجعة الوثائق.
وسيؤثر ذلك سلبًا على أرباح الشركات، حتى لو استمر كبار الشركاء في تقاضي أجور باهظة.
وبحسب تحليل شركة بيرسويت، يتقاضى المحامون المبتدئون الذين يمارسون هذا النوع من العمل ويُحاسبون على ساعات طويلة ما يصل إلى 1400 دولار أميركي في الساعة، و2000 دولار أمريكي للمحامي المخضرم.
وفي ضوء تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، قال الرئيس التنفيذي لشركة بيرسويت، جيم ديلكوسيس: “إن الزيادات التقليدية في الأسعار لا تبدو باهظة فحسب، بل تبدو غير منطقية أيضًا”.
وأوضح ديفيد بويز، المحامي المخضرم في مجال التقاضي، أن العملاء مستعدون لدفع أجور مرتفعة بالساعة نظرًا لأهمية بعض قضايا التقاضي والأعمال التجارية. وأضاف أن الأسعار الحالية “مبالغ فيها جدًا وفق أي معيار منطقي”.
وقال بويز، الرئيس الفخري لشركة بويز شيلر، إن شركته لم تسعَ يومًا لتكون في قمة السوق، موضحًا: “نريد أن نقدم أسعارًا تنافسية – ليس في عالم مثالي، بل في الواقع.” ويتقاضى بويز ما يزيد قليلًا عن 2700 دولار أميركي في الساعة.





