قال مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة، الدكتور أنس الحجي، إن التغطية الإعلامية الغربية لحركة أسعار النفط تعاني من “إشكالية كبيرة”، مشيراً إلى أنها تربط تحركات السوق حصراً بالتطورات السياسية، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقات الأميركية الإيرانية، في حين تتجاهل العوامل الأساسية المؤثرة في العرض والطلب.
وأوضح الحجي في مقابلة مع “العربية Business” أن بعض وسائل الإعلام الغربية تصور المشهد على نحو مبسط، بحيث ترتفع الأسعار سواء مع تصاعد التوترات أو حتى مع انفراجها، مؤكداً أن السبب الرئيس لارتفاع أسعار النفط منذ بداية العام يعود إلى نقص كبير في الإمدادات، وليس إلى العوامل السياسية وحدها.
وأضاف أن الأسواق شهدت انخفاضاً يتجاوز 3 ملايين برميل يومياً في الإمدادات نتيجة تطورات في كازاخستان والبرازيل والولايات المتحدة والمكسيك، معتبراً أن هذا التراجع في المعروض كان العامل الأساسي وراء صعود الأسعار، بينما لا يتجاوز تأثير العوامل السياسية، بحسب تقديره، دولارين إلى ثلاثة دولارات للبرميل.
وأشار إلى أن عدداً من المؤسسات الغربية، بما في ذلك بنوك كبرى، تتجاهل واقع الطلب في الشرق الأوسط، لافتاً إلى أن استهلاك الطاقة يرتفع عادة خلال شهر رمضان، ثم يزداد مجدداً خلال موسم الحج، ما يعزز الطلب على النفط في الدول الإسلامية.
وبين أن أي زيادة في الإنتاج من جانب الدول المنتجة خلال هذه الفترات يُحتمل أن تُستهلك محلياً، ما يعني أنها لن تشكل إمدادات إضافية حقيقية في السوق العالمية. كما أن موسم الصيف، مع ارتفاع استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد في دول الخليج وإيران، يرفع الطلب بأكثر من مليون برميل يومياً، الأمر الذي يستوعب أي زيادات جديدة في الإنتاج.
واعتبر أن التوقعات التي تشير إلى بقاء أسعار النفط منخفضة أو وجود فائض كبير في المعروض “غير دقيقة”، في ضوء هذه المعطيات.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن بعض التحليلات تعتبر الزيادة في الإنتاج الأميركي خلال الشهور العشرة الأولى من العام مساهمة في تخمة المعروض، غير أن الحكومة الأميركية قامت بملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي بكميات تفوق الزيادة في الإنتاج، ما يعني أن هذه البراميل لم تدخل السوق فعلياً.
وذكر أن احتساب هذه الكميات ضمن فائض المعروض يمثل خطأ منهجياً، إذ إن الأسواق تنظر إليها على أنها كميات محجوزة وغير متاحة للتداول، وبالتالي لا تضغط على الأسعار.
كما لفت إلى أن الصين زادت مخزوناتها بأكثر من 100 مليون برميل منذ بداية 2025، في إطار قرارات ذات طابع استراتيجي تحسباً لمخاطر محتملة، مؤكداً أن هذه الكميات تُعد طلباً فعلياً وليست عرضاً إضافياً، وبالتالي لا يمكن اعتبارها دليلاً على تخمة في السوق.
وبشأن ملف فنزويلا، قال الحجي، إن هناك اتفاقاً سابقاً يسمح بتسويق نحو 50 مليون برميل، غير أن بعض الشحنات جرى الالتفاف عليها خلال فترات الحظر، ما دفع إلى ملاحقة إحدى السفن على أساس أنها تحمل نفطاً يُنظر إليه على أنه غير مشروع. أما بشأن الهند، فأشار إلى أن التخفيضات التي حصلت عليها في وارداتها النفطية استحوذت الشركات الصينية على جزء كبير منها عبر الشراء والتخزين، ما يُعد شكلاً من أشكال التخزين الاستراتيجي الذي لا ينعكس مباشرة على السوق، لكنه دفع روسيا إلى زيادة الخصومات، خاصة مع اختلاف تكاليف الشحن بين الأسواق الآسيوية.
وأكد على أن قراءة السوق النفطية تتطلب التركيز على أساسيات العرض والطلب والمخزونات الفعلية المتاحة، لا الاكتفاء بالتحليلات السياسية السطحية.





